Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب

المزيد من هذه السلسلة:

أخطاء الآباء وتربية الأبناء ١            أخطاء الآباء وتربية الأبناء ٢            أخطاء الآباء وتربية الأبناء ٣

أخطاء الآباء وتربية الأبناء ٤           أخطاء الآباء وتربية الأبناء ٥             أخطاء الاباء وتربية الأبناء ٦

  


قبل أن يُولد لي أبناء لم أكن أتخيل روعة هذه المغامرة، كما لم أفكر فيما يمكن أن تعنيه هذه المسؤولية من أعباء وتحديات. في البداية كان كل ما يهمنا، ويشغل بال أسرتنا، هو عدم وجود موانع للخلفة! 

 

 لم يحدثني أحد عن كيفية التربية، ولم أسمع نصيحة تؤهلني لدور الأب؛ فتحسست طريقي إلى التجربة «خام».. نعم كان لدي بعض المعرفة البسيطة، لكن تعوزني الخبرة العملية إلا من فيض ما ملأ حياتي من حب أبي، ونموذج هدوئه الفريد الذي استطاع به أن يُسكن الطمأنينة في قلوب ثمانية أبناء ازدحم بهم بيتنا الصغير، الذي طالما بدا في عيني وكأنه «قصر عابدين»!

    أعطاني الله ابنين، بينهما سقط تمنيت لو بقي.. ومن بين كل خبرات العمر الزمنية من العمل والترحال، والروحية في خدمة الله والنمو في طاعته ومعرفته، تظل تربيتهما حتى كبرا وأوشكا على مغادرة العُش ليبدءا حياتهما بعيدًا عنا هي أمتع خبرات حياتي، بكل ما تضمنته من مزيج النجاح والإخفاق،الفرح والإحباط! والآن، وقد وصلت إلى مرحلة العمر التي يتطلع فيها المرء للوراء ليُقيم تجارب الأيام، أجد الكثير مما يمكنني أن أشارك به الآباء الذين يشعرون بالإحباط بسبب علاقتهم مع أبنائهم؛ لعلهم يجربون بعضًا مما حقق نجاحًا معي، ويتجنبون ما أخطأت في فعله من أجل علاقة أفضل مع أبناء يكبرون حوله كشخصيات مؤهلة للنجاح والسعادة في الحياة.
 

    بدأت علاقتي مع كلمة اللـه من عمر الرابعة عشرة؛ وتعلمت مع السنين، ولازلت أتعلم، كيف أنظر إلى حياتي والتحديات التي أواجهها من خلال ما أقرأه يوميًا منها. وبقدر محبتي لنصوص العهد الجديد، وحرصي على مداومة القراءة في أحد الأناجيل للاقتراب اليومي من حياة وتعليم الرب يسوع، بالإضافة للقراءات الأخرى من باقي الأسفار، أجد متعة خاصة في العودة لنصوص العهد القديم كمصدر غني لفكر اللـه فيما يتعلق بالمشاكل الأسرية، ومبادىء التربية.. يقول الرسول بولس عما سجله الوحي المقدس عن معاملات اللـه مع الشعب في القديم: «هذه الأمور جميعها أصابتهم (حدثت معهم) مثالا، وكُتبت لإنذارنا (لتكون عبرة لنا) نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور» ( كورنثوس الأولى ١٠ : ١١).    

    من أكثر الأخطاء الأبوية تأثيرًا على الأبناء هو «المشاحنات الزوجية» في حضورهم. حتى تلك الحوارات الساخنة بين الوالدين، والتي قد تتخللها كلمات أو عبارات تحمل أكثر من معنى، يفهمها الأبناء بمعناها المباشر الذي ربما لم يكن مقصودًا في الأصل. لا أنسى مرة كنت أحكي لزوجتي بحماسي المعتاد عن موقف حدث معي في عملي، وفوجئت بابني، وكان عمره آنذاك أربع سنوات، يقول لي بتأثر: ”بابا ليه بتزعق في ماما!“ وأنا لست أدعي الكمال كزوج أو كأب، لكني تعلمت الدرس في ذلك اليوم.

    من أقوال سليمان الحكيم في سفر الأمثال، وقفت طويلاً أمام النص: «الابن الجاهل مُصيبة على أبيه، ومخاصمات الزوجة كالوكف المتتابع» (أمثال ١٩ : ١٣ ). «مخاصمات» تعني ببساطة  «مشاحنات»  .. أما «الوكف المتتابع» فتعني في أصل اللغة السقف المثقوب الذي تتسرب منه مياه المطر قطرة وراء الأخرى بدون توقف.. بالبلدي يعني «الزن»، وبالصعيدي يعني «النق»! مع مَنْ تتشاجر الزوجة؟ ومَنْ الذي «تزن» عليه كالوكف المتتابع؟ بالطبع الإجابة واضحة! لكن كيف يؤثر هذا على الأبناء؟ هنا لابد أن نلاحظ ما يقوله الجزء الأول من الآية، ونتساءل ما علاقة الابن «الجاهل» بالأم المتذمرة والزنانة؟ الروح القدس لا يضع مثل هذين النصين معًا إلا إذا كان هناك علاقة بين ما يعنيه كل منهما. «الجاهل» هو البليد أو بطيء التعلُّم، أو الذي يتهم بالغباء.. بمفهوم اليوم الكثير من الآباء يعتبرون الابن أو الابنة الذي يخيب أملهم بسبب إخفاقهم في الحصول على الدرجات العليا في الدراسة «مُصيبة» بحسب النص، وهم لا يدركون أن سبب هذا الإخفاق يرجع في الكثير من الحالات إلى التوتر المستمر في البيت.


 تُرى ما المتوقع من أبناء يذهبون للمدرسة وهم مشحونون بالتوتر والقلق سوى البطء في التعلم، وبالتالي التحصيل الضعيف في الدراسة! لعلنا بحاجة أن نراجع علاقتنا معًا كزوجين.. فإن كانت تفتقد للاحترام المتبادل في حضور أو غياب الأبناء، إذن فسبب أي مصيبة سواء في ضعف الدرجات، أو في انعزالهم عنا وطلبهم للمشورة من الغرباء، وكذلك إمكانية انخراطهم في سلوكيات تهدد حياتهم ومستقبلهم، ليست في الأبناء!

    مثال آخر من العهد القديم يُلقي الضوء على مدى التأثير السلبي للجدل بين الوالدين على الجو العام الذي يُحيط بالأسرة، نجده في علاقة داود النبي مع زوجته «ميكال» ابنة شاول.. لقد كان داود رجلاً بحسب قلب الـله، وكل ما نقرأه عنه يؤكد أنه كان عملاقًا روحيًا. بالرغم من هذا كانت الفوضى تسود بيته! وأعتقد أن أحد أسباب هذه الفوضى، وليس السبب الوحيد بلا شك، له علاقة بالمشاحنات الزوجية والاختلافات العلنية التي كانت موجودة في بيته.  

 

    في سفر صموئيل الثاني أصحاح ٦ نقرأ عن احتفال داود بإرجاع «تابوت العهد» إلى أورشليم. كان الفلسطينيون قد استولوا على   «تابوت العهد»، وأخذوه إلى أرضهم عندما انكسر الشعب أمامهم في أيام شاول الملك.. لكنهم أرجعوه إلى إسرائيل بعد سبعة أشهر عندما ثقلت يد الرب عليهم (صموئيل الأول ٥ و ٦)، وبقي التابوت في قرية «يعاريم» في بيت رجل اسمه «أبيناداب». وبعد أن تُوج داود ملكًا، ذهب مع نخبة من قادة الشعب، وأخذوا التابوت أولاً إلى بيت رجل اسمه «عوبيد»، حيث بقي هناك لمدة ثلاثة أشهر قبل أن يذهب داود ويُصعده إلى أورشليم بفرح عظيم.

    في ذلك اليوم، ومن شدة فرحه، كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب. ونظرت ميكال من النافذة، ورأت زوجها يقفز ويرقص؛ فاحتقرته في قلبها! وعندما رجع داود إلى بيته استقبلته بكلمات السخرية: «كم كان ملك إسرائيل وقورًا اليوم، حين تعرى أمام جواري رجاله كما يتعرى السُفهاء!» (عدد ٢٠ ).. والمتوقع أنها لم تقل لزوجها هذا الكلام على انفراد، وإلا ما كنا قرأنا عنه! بالطبع لم يرقص داود عاريًا، بل خلع ثيابه الملكية ولبس ثيابًا من الكتان مثل ثياب الكهنة؛ كتعبير عن تكريسه للرب وشكر قلبه له. ولا نجد في الكتاب المقدس تفاصيل عن هذا الحدث أكثر من رد فعل داود، والذي جاء في صورة معايرة علانية لزوجته، على مسمع من الموجودين في البيت أيضًا: «كان ذلك كله لأجل الرب الذي فضلني على أبيك، وعلى جميع بنيه!» (عدد ٢١ ).

ليس هناك ما يؤثر بالسلب على الأبناء، ويأتي بسحابة من الغم تحجب السعادة عن الأسرة مثل الشجار بين الزوجين.. وبصراحة ما لم نلتفت إلى هذا الخطأ، ونتيح أنفسنا لعمل اللـه في حياتنا ليغير من أفكارنا وأساليب تعاملنا مع بعضنا كزوجين وأبوين، فإننا نخطىء في حق أبناء نريد أن نربيهم ليكبروا بيننا في جو من الحب والاحترام، ويعدهم لحياة تفيض بالبهجة التي لن تفارقهم لبقية عمرهم.. وإلى بقية الأمثلة في المرات القادمة


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٢٧ سبتمبر/ آيلول ٢٠١٥)

Copyright © 2015 Focus on the  Family Middle East. All rights reserved.