Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب

المزيد من هذه السلسلة:

الابنة عطية ١

الابنة عطية ٢


لا يزال إنجاب الصبيان له بريق خاص في مجتمعنا. وبالرغم من أن الطب قد أثبت منذ سنين أن نوع الجنين أمر بيولوجي يرجع إلى الرجل وليس للمرأة دخل في تحديده، من الصعب إقناع الكثيرين ممَنْ تغيب عن أذهانهم هذه الحقيقة ألا يلوموا زوجاتهم لعدم إنجابهم لولي العهد!

والحقيقة الأهم التي لا يلتفت إليها الذين يستمرون في الإنجاب حتى يصل «بسلامته» أن الخلفة في مجملها بما فيها تحديد نوع جنس المولود هي من أعمال سيادة النعمة الإلهية في عملية الخلق.

 

     أتوجه بحديثي إلى كل زوج وأب لا يزال متأثرًا بثقافة أن الصبيان عزوة.. أي مَنْ يشدون من أزره، أو أن الولد يضمن استمرار اسم العائلة. لقد تغيرت هذه المفاهيم مع تطور العلم، والتركيبة الاقتصادية، والثقافة العامة للمجتمعات؛ كما فقدت محليتها من خلال تكنولوجيا التواصل العالمية. اليوم لم تعد كثرة عدد الصبيان في العائلة مصدرًا للقوة أو زيادة الإنتاجية، ولا يخلد الإنسان أن يكون له ابن يحمل اسم عائلته، بل ما يذكر له بعد رحيله من هذه الدنيا هو ما صنعه من فرق في حياة الآخرين. قائمة العظماء الذين أثروا في الماضي بما تميزت به حياتهم، والذين يؤثرون في الحاضر بعلمهم وفكرهم وكفاحهم لتخفيف آلام البشر، لا تصلنا أخبار شهرتهم نقلاً عن أبنائهم، وإنما من خلال ما نسمعه ونقرأه عما واجهوه بقوة بإيمانهم، وما ينجزونه في سنوات حياتهم. 

 

     ربما يُظن أن وصف المرأة في الإصحاح الأخير من سفر الأمثال يُقصد به الزوجة فقط، لكن النص في لغته الأصلية يصف المرأة الفاضلة في مختلف مراحل عمرها. في بداية هذا المانيفستو الإلهي الرائع يعلن سليمان الحكيم: «امرأة فاضلة (ابنة أو زوجة.. أم أو جدة) مَنْ يجدها؟ لأن ثمنها يفوق اللآلىء» (أمثال ٣١: ١)، وعند نهايته يلخص بحكمة وإيجاز ما يميز شخصية المرأة من وجهة النظر الإلهية: «الحُسن غشٌ، والجمال باطل، أما المرأة التي تخاف الرب فهي تُمدح» (أمثال ٣١: ٣٠).

     في سياق الحديث عن أن الابنة «عطية» وليست «بليّة»، كما يتهمها أهل العالم، استوقفتني كلمات العدد ٢٥: «العز والبهاء لباسها، وتضحك على الزمن الآتي»، والتي يمكن أن تترجم: «تلبس القوة والنبل، وتبتسم للمستقبل». لعل هذه الكلمات من أكثر النصوص الكتابية إلهامًا في وصف ما يمكن أن نربي عليه بناتنا.. فما هي القوة التي تلبسها ابنتنا لتسلك بثقة وسط مجتمع ذكوري يقلل من قيمتها لمجرد أنها بنت؟ وكيف نؤهلها لتميز الرسائل الإعلامية التي لا تتفق مع القيم التي نؤمن بها، بل التي ربما يكون لبعضها تأثير مدمر على مستقبلها؟ 

 

     القوة المقصودة هنا ليست في العضلات، بل في الشخصية.. الشخصية التي تتقوى إيجابيًا عندما نتيح لابنتنا الفرصة لتتخذ قراراتها بعد التفكير والبحث والمشورة.. وعندما نشجعها على المثابرة، وتحمل المشقات للوصول إلى هدف ما تريد تحقيقه بالرغم من صعوبات الطريق.. وعندما ندربها على ضبط النفس القائم على حسن التقدير، فلا تنزعج لأتفه الأمور، أو تخاف من الإقدام على تحمل المسؤولية. أما النبل فهو كل ما يتولد في الابنة من صفات شخصية تجعلها تتصرف تلقائيًا من واقع مبادئ ومثل عليا تعايشها عمليًا في بيتها، وتراها في نموذج حياة أب وأم  تتعلم منهما القيم الأخلاقية بالمحاكاة وليس بالتعليمات.

     ابنتي لا يمكن أن تبتسم للمستقبل ما لم يكن لديها منذ صغرها هدف تحلم بتحقيقه.. "إللى مالوش حلم ما عندوش غد!" يا ترى لسه في عائلات بتفكر إن البنت ملهاش بعد شهادتها، سواء متوسطة أو جامعية، أن تفكر فى دراسات عليا، ولا شغل في وظيفة يُظن أنها تناسب الرجال فقط؟ يا ترى لسه في والدين بيستكتروا على بنتهم إنها تحلم للمستقبل، وأقصى المطلوب منها إنها تقعد حاطه إيدها على خدها في انتظار دورها في طابور تقرير المصير بالزواج، ويا صابت أو خابت؟ هل لا تزال مقاييس النجاح للابنة مختلفة عن تلك التي يقاس بها نجاح الابن؟ الولد نشجعه يجرب ويحاول تاني لما يفشل، والبنت مش مهم تنجح ولا تفشل!

 

     عند ولادة صبية يتندر البعض، ولو على سبيل الاستخفاف، بالقول: "يا مخلفة البنات شايلة الهم للممات!" والغريب أن نفس الأشخاص يرددون قولاً عقيمًا آخر يناقض الأول عند ولادة صبي: "ربنا يدي الخايبة ولد علشان تقعد وتعمله حجة!" المقصود بهذا القول الأخير السخرية من تبرير الزوجة للتقصير في أعمال المنزل بعد الولادة: ”أصل الواد كان بيعيط وعاوزني أشيله طول اليوم!“ مثل هذا "الهري"، بحسب ما يطلق شباب اليوم على الرغي غير المفيد، عمره ما يتقال لو البيبي كانت بنت!

 

    

     نحن بحاجة لأن نناقش كأسرة مثل هذه الأفكار البالية التي تمتد جذورها إلى الماضي، لكن تأثيرها على توجهاتنا الفكرية لم ينته بعد. لابد أن نفعل هذا بصراحة وصدق مع النفس، ونشرك أبناءنا الصبيان في الحوار لنخلق فيهم الشعور بالقبول والتقدير للجنس الآخر. لنبدأ الحوار بمراجعة هادئة للأسباب التي أدت إلى شيوع النظرة الدونية للمرأة، وأن العنصرية ضدها لا تتفق مع نظرة الله لها.

     البنات نعمة يكون لها طعم خاص في بيت مَنْ يدركون روعتهن، ويفرحون بعطيتهن.. كفاية الفيونكات وتوك الشعر وألوان الفساتين المبهجة إللي مالية كل ركن في البيت! عن خبرة.. البيت إللي كله صبيان، زي بيتي، صحيح فيه بهجة، لكنه في أوقات كتير بيبقى ناشف ومفتقد للتعبير التلقائي عن المشاعر.. لا في حد بيقعد على الحجر، ولا في دراع ملفوف حوالين الرقبة.. دا طبعًا غير ريحة الشرابات والجزم، والسراير الملخبطة، والأطباق الملحوسة.. ويا بخت إللي ربنا ما حرمهوش من خلفة البنية!

     الابنة عطية.. حبيبة أمها، وسر أبوها، وأم أخوها!

     ولايزال للحديث بقية.


 

نُشر في جريدة وطني بتاريخ ٦ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٦

Copyright © 2016 Focus on the Family Middle East. All rights reserved