Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب

للمزيد من هذه السلسلة:

الآباء وتشكيل الشخصية ١             الآباء وتشكيل الشخصية ٢

         بعد سنوات طويلة من خبرتي كأب، حاولت أن أُقيِّم أسلوب تربيتي، مقارنة بأبوة آخرين ممَنْ أعتبرهم آباءً ناجحين. وقد كان مقياسي الأساسي في التقييم نوعية شخصيات الأبناء الذين ربوهم، والعلاقة معهم، بعد أن صاروا بالغين. وقد لاحظت أن هناك بعض الممارسات التي اتفق وجود أغلبها بشكل أو آخر في أسلوب تربيتنا، والتي أحب أن أشارك ببعض منها هنا؛ لعلها تُلهم الأبناء الذين كبروا وصاروا آباءً.

 

            تحدَّث باستمرار مع أبنائك.. الآباء الناجحون يتواصلون بشكل منتظم وفعال مع أبنائهم. بدلاً من الجلوس معًا في المساء لمشاهدة التليفزيون، أو الانشغال بألعاب الفيديو، أو تصفح الإنترنت، خطط لقضاء وقت للحديث معًا، واجعل من هذا تقليدًا أسريًا. ليس بالضرورة أن تكون كل المناقشات جادة، ولكن بعضها لابد أن يكون كذلك. التواصل الإيجابي المستمر يفتح الباب أمام الأبناء للحديث معك عن الأمور الحرجة والحساسة التي ترتبط بنموهم الجسدي والعقلي والعاطفي.. لكن هذا النوع من العلاقة يبدأ أولاً وقبل كل شيء إذا كان باب الحوار مفتوحًا أمامهم باستمرار.

            اقضِ  وقتًا شخصيًا مع كل منهم على انفراد.. العديد من الأسر تقضي الكثير من الوقت معًا، وهذا شيء مطلوب وجيد في حد ذاته؛ لكن الآباء الناجحين يخصصون أيضًا وقتًا يقضونه من حين لآخر مع كل ابن أو ابنة على انفراد. تحدَّث معهم عن مخاوفهم، نجاحاتهم، وإخفاقاتهم.. عن احتياجاتهم، وعن أهدافهم وأحلامهم. نوعية الوقت الذي تقضيه بشكل فردي مع أبنائك يطور علاقتك معهم بشكل غير عادي، وهذه الممارسة تعتبر أحد مؤشرات النجاح في التربية.

 

            ضع قواعد للسلوك، وعشها قبل أن تطلب منهم تطبيقها.. تربية أبناء ناجحين لا تتحقق بمجرد التمتع بوجودهم معنا. النجاح في التربية يرتبط بغرس القيم، وبناء روح المسؤولية فيهم. لكن هذا لا ينجح إلا مع وجود قواعد واضحة تنظم المسؤوليات المطلوبة من كل ابن أو ابنة، والحدود التي لا يجب أن يتخطاها. المهم أن يعرف الأبناء مسبقًا ما هو متوقع منهم، وكيف سيتم التعامل معهم إذا تخطوا الحدود المتفق عليها. تعليم الأبناء مبادئ السلوك في وقت مبكر، وتذكيرهم مرارًا بالمتوقع منهم، ثم التعامل بحزم وحب بينما يتحملون تبعات إخفاقهم، يبني العلاقة معهم، ويُعِين الوالدين على إكمال رحلة التربية بنجاح.

 

            لا تُفسدهم بإعطائهم كل ما يطلبونه.. الأمر هنا لا يتعلق بالمقدرة المادية لتلبية كل الطلبات أو بعضها، لكن بأهمية أن نُعلم أبناءنا ألا يكون لهم توقعات غير واقعية في الحياة. تعليم الأبناء قبول الانتظار حتى تُلبَّى بعض رغباتهم، حتى لو تسبب ذلك في عدم رضاهم مؤقتًا، يطور إحساسهم بالمسؤولية عندما يكبرون. وبالمثل، مساعدتهم على تعلم قيمة الادخار من مصروفهم لشراء ما يريدون يعلمهم مهارة حياتية سوف تخدمهم عندما يكبرون ويتحملون مسؤولية أنفسهم ماديًا.

 

            عبِّر عن محبتك بالطريقة التي يفهمها أبناؤك.. تعرَّف على لغة الحب التي تخاطب كل ابن وابنة، واستخدم هذه المعرفة للتعبير عن محبتك لهم بشكل أفضل. من أبسط لغات الحب التي يفهمها أغلب الصغار كلمات التأييد والتشجيع الصادقة وفي مناسبتها. بعض الأبناء يشعرون بالحب من خلال التلامس الجسدي في اللعب، بالمعانقة، أو بالجلوس جنبًا إلى جنب. آخرون لغة الحب لديهم تحتاج لمفاجأتهم بتقديم هدية لهم بغير مناسبة، ليست بالضرورة مكلفة، لكن المهم أن تكون شخصية. بعضهم بإعطائهم الانتباه الكامل أثناء وقت نقضيه معهم، وآخرون بتقديم أعمال لخدمتهم أو مساعدتهم في مهمة ما. عندما تعرف ما يجعل أبناءك يشعرون بأنهم محبوبون، وتستخدم لغة الحب التي يفهمونها، هذا يتيح لعلاقتكم، وكذلك لشخصياتهم، أن تنمو بشكل مذهل.

 

            اقرأ لهم أو معهم ما يتناسب مع عمرهم.. عندما يتعلم الأطفال حب القراءة في المراحل الأولى من حياتهم، تتطور لديهم مهارة فهم ما يدرسونه من علوم، وقدرتهم على استيعاب أمور الحياة من منظور أوسع. حب القراءة يعطي الأبناء اتجاهًا لحياتهم، وفرصة أفضل للنجاح في المستقبل. في عصر تسود فيه الألعاب الإلكترونية، كادت عادة القراءة أن تختفي! في الواقع أغلب هذه الألعاب تأخذ ولا تعطي، والأب الناجح هو الذي يستطيع أن يوازن بين شغف أبنائه بها، وفي نفس الوقت يطور عادة القراءة لديهم. هذه المهمة تكون سهلة إذا قضيت وقتًا في القراءة إليهم ومعهم.

 

            محبة واحترام شريكة الحياة.. من أفضل الهدايا التي يمكن أن تقدمها لأبنائك هي أن تحب المرأة التي ولدتهم. الأبناء يلاحظون كل شيء، وسوف يتبعون مثالك.. مَنْ يحبونه يحتاجون أن يروك تحبه أنت أيضًا. لا يوجد ما يساوي محبة الأم في قلوب الأبناء، ولا يوجد شيء يملأ قلوبهم بالطمأنينة أكثر من رؤيتهم لمحبتك واحترامهم لأمهم. العلاقة بين الزوجين لها التأثير الأعمق على سلوك أبنائنا، ونوعية شخصياتهم. والأبناء الذين تتاح لهم أفضل فرصة للنجاح في الحياة هم مَنْ يعيشون مع أب وأم يحبان ويُقدران بعضهما.

 

           أذكر كيف كنت في طفولتي أرى أبي بطلاً وليس مجرد إنسان عادي.. ولعل ما أنا عليه اليوم يعتمد على ما تعلمته منه، حتى في الأوقات التي لم يقصد هو أن يعلمني شيئًا بشكل مباشر. لقد تشكلت بما رأيته في أسلوب حياته، وروعة علاقته مع أمي، ومثابرته وحكمته في قيادة أسرة من ثمانية أبناء في ظروف الخمسينيات وما بعدها من سنين عجاف. من أبي تعلمت أن أعظم إنجاز في مسيرة حياتي، أكثر من أي نجاح آخر يمكن أن أحققه، هو أولادي وأسرتي، وكيف أكون زوجًا مخلصًا وأبًا جيدًا. «الصِّدِّيق السالك طريق الكمال يهنأ بنوه من بعده» (أمثال ٢٠: ٧).


 

نُشر في جريدة وطني بتاريخ ٥ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٧

 

 Copyright © 2017 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.