Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

بقلم: سامي يعقوب

للمزيد من هذه السلسلة:

الآباء وتشكيل الشخصية ١             الآباء وتشكيل الشخصية ٢

       

  الدنيا وما فيها تدور حول أهمية وتأثير محبة الأم لأبنائها، لكن ماذا عن حب الأب؟ لسنوات طويلة كان يُنظر إلى الأم على أنها خُلقت لرعاية أطفالها، وتوفير بيئة صحية ومُحبة لهم.. فهي الطاحونة التي لا تتوقف عن الاهتمام بكل تفاصيل واحتياجات الأسرة نهارًا وليلاً. لذلك ظلت أغلب الأمهات حتى قرب نهاية القرن العشرين في البيوت مع أطفالهن، في حين كانت مهمة الآباء الرئيسية هي العمل الذي يأخذهم بعيدًا عن البيت.. ومن هنا جاء الافتراض بأن الأمومة تلعب الدور الأهم في حياة الأبناء وتشكيل شخصياتهم.

         وبالرغم من الدور المحوري للأم في التربية، إلا أن الأبحاث التربوية عن مدى أهمية وجود الأب في حياة الأبناء في مختلف مراحل أعمارهم جاءت بنتائج مذهلة.. ولم يكن من المستغرب أن تؤكد الكثير من هذه النتائج أن حب الأب وتأثيره على تنمية شخصية أبنائه يلعب دورًا أكثر أهمية من دور الأم فيما يتعلق بالمشاكل السلوكية المتعلقة بتعاطي المخدرات، والجنس، والاكتئاب، وعدم التكيف النفسي مع المتغيرات، والتمرد، وغير ذلك من السلوكيات الخطرة أو غير المرغوب فيها. في نفس الوقت، فإن مثل هذه الصعوبات يمكن تجنبها بوجود واضح وقوي لشخصية أب مهتم في حياة أبنائه، من وقت ولادتهم وحتى بلوغهم لمرحلة النضوج والاستقلال بحياتهم.

         عندما تصبح مهمة الأب الأولى والأخيرة أن يعمل، ويعمل فقط، لتوفير لقمة العيش والرفاهية لأسرته، سيترتب على هذا أنه يصبح غريبًا في بيته الذي يحل عليه ضيفًا لساعات قليلة.. وبالتالي يكون آخر مَنْ يعلم بالقرارات التي يتخذها أبناؤه في غيبته، سواء أبسط اختياراتهم أو عندما يختارون ما يمكن أن يؤثر على مستقبلهم. حتى ما يرتكبونه من أخطاء، أو ينجزونه من نجاحات، فهذه أحداث يعايشونها مع أمهم والأب خارج نطاق الخدمة. تُرى مَنْ المسؤول عن هذه الظاهرة: هل هي الأم؟ أم الأبناء؟ أم الأب نفسه بتنازله عن دوره الحيوي في الأسرة؟

         من الطبيعي أن تكون الأم مستودع أسرار أبنائها، والأقرب لأنفسهم وعقلهم وقلبهم، ولكن ذلك لا يُغني عن دور الأب في حياة أبنائه وحاجتهم له. ومهما كانت محبة الأم لأبنائها، فلا يحق لها أن تستقطبهم إليها على حساب ارتباطهم بأبيهم. تقابلت مع بعض الأمهات ممَنْ استثنين الدور المعنوي لأزواجهن كآباء عن قصد أو بدون قصد، والنتيجة أن حياتهن الأسرية تحطمت بالرغم من توفر كل عوامل النجاح لها.

         الأب له أهميته في حياة أبنائه، مهما كانت نقاط ضعفه، أو نقاط الخلاف بينه وبين زوجته. الأم الحكيمة هي التي تتوقف لتفكر في خطورة تهميش دور زوجها كأب، وتأثير ذلك على الاستقرار النفسي والعاطفي لأبنائها.. تعديل هذا الوضع يحتاج لإرادة نابعة من رغبة قوية من أُم متضعة تريد أن تَعبر بأبنائها إلى بر الأمان بدون أن تترك شرخًا في شخصياتهم!

         وقد تقع مسؤولية تهميش دور الأب على الأب نفسه.. فهو الذي يفرط في دوره الذي أعطاه الله له، وبذلك يقصر في حق نفسه أولاً قبل حق أبنائه عليه. مهما كانت مشغولياتك، فهذا لا يعفيك من مسؤوليتك مع أُم أولادك في تربية أبنائكما، وتخليك عن هذا الدور قد يكون السبب الرئيسي في غياب السعادة والتوافق في بيتك. وجودك الفعال بالقرب من أبنائك هو مقياس التنبؤ لإمكانية نجاحهم في مستقبلهم، عندما يواجهون تحديات الحياة بمفردهم.

         عندما يشارك الأب في مسؤولية تربية أبنائه، متخطيًا حدود ما يُظن أنه دور المرأة وليس الرجل، هذا يُعدهم تلقائيًا ليكونوا أزواجًا ووالدين أفضل في المستقبل. وعندما يرى الأبناء دور الأب في البيت كشريك في المسؤولية على قدم المساواة مع أمهم، وأنه لا فرق بين الرجل أو المرأة في القيمة مع اختلاف طبيعة دور كل منهما، فإن هذا يطور شخصياتهم، ويساعدهم على احترام أنفسهم واحترام الآخرين بغض النظر عن نوع الجنس، وتخطي حدود عدم المساواة بين الجنسين التي تسود بعض المجتمعات. ما يمكن أن نعلِّمه لأبنائنا عن العلاقات الزوجية بما يعايشونه معنا في حياتنا اليومية، أكثر فعالية عشرين مرة من كل أنواع الدروس التي يمكن أن نُلقيها على مسامعهم.

         الآباء هم القدوة الأولى للأبناء.. يُجسدون لأبنائهم الصبيان المعنى الحقيقي للرجولة، ويغرسون في بناتهم إحساسهن بالقيمة والثقة بالنفس، ويعلمونهن ما يجب أن يبحثن عنه في الرجل الذي يختارونه كشريك للحياة في المستقبل.. "الأب هو البطل الأول للابن، والحب الأول للابنة." ولعل ما يقال عن أن الأبناء يختارون شركاء حياتهم على شبه والديهم ليس بعيدًا عن الحقيقة.. والسبب بسيط؛ لأن ما يرونه فيهما هو ما اعتادوا عليه، وبالتالي يشعرون أنه أمر طبيعي، ويسعون لتحقيقه في حياتهم. هذا التأثير التلقائي يمكن أن يكون سلبيًا أو إيجابيًا، ويعتمد أولاً وقبل كل شيء على وجود والدين داعمين لأبنائهما بنموذج حياتهما.

         أن تكون أبًا لا يعني مجرد أن يولد لك أبناء؛ بل أن تمد يديك، وتعطي من وقتك لتساعد في تنشئتهم.. أن تحبهم بالرغم من أي شيء فيهم أو يصدر عنهم. ما يجعلك أبًا لأبنائك ليس الدم الذي تشترك فيه معهم؛ لأن الأبوة تنبع من القلب. أي شخص يمكن أن يولد له أبناء، لكن تربية الأبناء تحتاج لرجل يعرف ما معنى أن يكون أبًا.

         «هنيئًا لمَنْ يتقي الرب ويسلك في طرقه… مثل كرمة مثمرة تكون امرأتك في جوانب بيتك، ومثل أغراس الزيتون يكون بنوك حول مائدتك. هكذا يُبارك الرب الذين يتقونه.» (مزمور ١٢٨ الترجمة العربية المشتركة).

 


نُشر في جريدة وطني بتاريخ ١٩ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٧

Copyright © 2017 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.