Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب

تُرى هل بمقدورنا أن نعبّر عن محبتنا لأبنائنا فقط بما نوفره لهم من معيشة وتعليم على أفضل مستوى ممكن؟ وكيف يفهم الأبناء أن الحب الأبوي يتخطى حدود الاهتمام بصحتهم، ونجاحهم الدراسي ليصل إلى حدود ليس بإمكانهم أن يدركوا مداها؟ قد تبدو إجابة هذه الأسئلة بديهية وسهلة، لكنها في الواقع ليست كذلك.. فأبناؤنا يترجمون مشاعرنا نحوهم ربما بشكل يختلف عما نتوقعه نحن. من أطرف ما قرأت عن هذا الأمر أن الأبناء يتهجون كلمة «حب»من ثلاثة حروف: «و ق ت»! والمعنى هنا لا يحتاج لشرح.

وسط أعباء الحياة وزحمة المسؤوليات اليومية لنا كأبوين قد نظن، ونحن معذورون في ذلك، أن القبلات والأحضان العابرة، وكذلك تسديد الاحتياجات المادية يمكن أن تكفي وحدها لتبرهن على محبتنا لأبنائنا.. ومع أن أغلبهم يدركون صدق مشاعرنا تجاههم، ويُقدرون ما يرتبط بها عادة من تضحيات لأجلهم، إلا أنهم بحاجة إلى برهان أقوى يقنعهم عمليًا أنهم محور اهتمامنا، وبركة عمرنا التي لا تُقدر بأي ثمن.

ترى كيف يمكن لأب يعمل لساعات طويلة، وقد تتطلب طبيعة عمله الخروج من البيت قبل أن يستيقظ الأبناء، أو يرجع إليه بعدما يخلد الصغار منهم إلى النوم، أن يجد بعضًا من الوقت ليستثمره في بناء حياة وشخصيات أبنائه؟ لا شك أن ظروف ومشغوليات الحياة اليومية تضعنا باستمرار في مواجهة الصراع بين مسؤوليات أعمالنا واحتياجاتنا الخاصة، والقيام بدورنا مع أسرنا كآباء. ولعل الحديث عن قضاء وقت ذي معنى مع الأبناء أسهل بكثير من إيجاده! لكن خبرتي الشخصية كأب أقنعتني أن توفير الوقت للتعبير عن محبتنا لأبنائنا ليس بالأمر المستحيل.. فبالرغم من الجدول المزدحم، فإن القليل من الفكر الخلاق، ومحاولة قضاء وقت معهم كأفراد أو كأسرة معًا، وتكرار المحاولة حتى تصبح تقليدًا عائليًا، تتيح فرصًا ذهبية لنشارك معهم ما يمكن أن يكون له أكبر الأثر على نموهم وتطور شخصياتهم.

بالطبع لا يستهان أبدًا بدور الأم في التأثير على الأبناء.. حتى وإن كانت تخرج يوميًا للعمل، فهي أكثر قدرة من الأب بصفة عامة على إيجاد وقت للتواصل بشكل مباشر مع أبنائها، وبمحبتها تصنع أبطالاً.. لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن احتياج الأبناء للتواصل مع الأب، مادام موجودًا، يمكن أن يوفى بشكل مثالي بما تقدمه الأم لهم من مشاعر واهتمام وتوجيهات تربوية. الأب أقدر من أي شخص آخر على تمكين الشعور بالأمان والثقة بالنفس لدى الأبناء، وكذلك تطوير إحساسهم بالضرورة عند استخدامهم للوقت، وتدريبهم على التعامل بحكمة مع المال. 

إن كل وقت نقضيه كآباء مع أبنائنا؛ نلعب ونضحك معًا، نتحاور ونتبادل الأفكار حول كل ما يرتبط بحقائق الحياة، وظروف ما يحدث حولهم في المجتمع الصغير، أو في العالم الواسع.. يوفر جوًا آمنًا من الانفتاح والثقة ليعبّروا عما يجول في خواطرهم من أحلام ومخاوف، بينما نزرع فيهم أفكارًا وقيمًا تبقى معهم كقاعدة انطلاق لاختياراتهم لبقية عمرهم.

لقد اعتدنا في بيتي أن نعطي كأسرة أولوية لقضاء الوقت معًا.. وعبر السنين كنا ولا زلنا نحاول ألا تجرفنا ضغوط الحياة فنفتقد بعضنا بعضًا. منذ أصبحت أبًا عزمت أن تكون رحلتي مع تربية أبنائي أكثر ما يمتع حياتي.. لم أعتمد عليهم كمصدر لسعادتي، بل على العكس حاولت بقدر ما استطعت أن أكون أنا لهم مصدرًا متجددًا للسعادة والبهجة؛ فشاركتهم بكل ذكريات وخبرات حياتي، المضحك منها والمحرج.. حكيت لهم بدون تحفظ عن فشلي وإحباطاتي، وكذلك عن كل فرصة غامرت فيها بالإيمان فشكلت خطوة نجاح للأمام.. كما لم أخش أبدًا أن أصغر في نظرهم عندما اعترفت لهم بضعفاتي. واليوم عندما أنظر للوراء أرى الأوقات التي قضيناها معًا وقد خلقت جسرًا متينًا من التواصل بيننا، وأصبحت ذكريات لا تقدر بثمن. لقد تعلمت أن قيمة الوقت الذي نقدمه لأبنائنا لا يمكن استبداله بأي شيء آخر يمكن أن نقدمه لهم كبديل مهما كانت قيمته المادية.

أتذكر اليوم الذي فيه اتصل بي ابني، وسألني: "بابا.. هل لديك بعض الوقت لي؟" وبعد وقت قصير التقينا، وراح يحكي بتأثر عن اعتقاده بأنه مصاب بمرض خبيث، وأن ما يفزعه ليس فقط ما سيترتب على ذلك من آلام ورحلة علاج غير مجدية، بل شعوره بأن ما سيحدث له سيكسر قلب أمه وقلبي! واستمر يحكي بجدية أنه راجع ما يشعر به من أعراض على صفحات الإنترنت، وتأكد أنه مصاب بسرطان في المخ! يا للهول!! أصغيت لكل كلمة قالها بدون أن أقاطعه أو أستخف بما يقول.. لم أفهم أيًا من التعبيرات العلمية التي استخدمها باللغة الإنجليزية ليقنعني بخطورة حالته- لأني لست طبيبًا؛ لكني كأب كنت أعرف أن هذه الأعراض تحدث عند تدفق هرمون الذكورة داخل الجسم في مرحلة البلوغ. وبكل تقدير لصدق مشاعر ابني، استغرق الأمر مني دقائق معدودة لأشرح له السبب وراء ما يشعر به؛ فبطل العجب في الحال! ثم استدار واحتضني، وسألني: "أبي هل يمكن أن نخرج لنتعشى معًا في هذا المساء؟" ولم أتردد للحظة أن أقبل دعوته.. ابني هذا قد زالت من داخله مخاوف كانت يمكن أن تطيح به أرضًا لو ظل يصارع معها وحده دون أن يجد يدًا تنتشله من هوتها! وفيما بعد قال لي إن أروع ما في علاقتنا أنه يجدني متاحًا له عندما يحتاجني!


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٤ ديسمبر/ ٢٠١٦)

Copyright © 2016 Focus on the Family Middle East. All rights reserved