Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب

للمزيد من هذه السلسلة:

أبناؤنا والزواج ١              أبناؤنا والزواج ٢             أبناؤنا والزواج ٣

أبناؤنا والزواج ٤              أبناؤنا والزواج ٥             أبناؤنا والزواج ٦

أبناؤنا والزواج ٧              أبناؤنا والزواج ٨             أبناؤنا والزواج ٩

أبناؤنا والزواج ١٠            أبناؤنا والزواج ١١

 


نحن نعيش في مجتمع قدري يؤمن فيه أغلب الناس أن كل ما يحدث لهم مُقدّر ومكتوب. فمفهوم ”المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين“ تسلل إلى قناعاتنا مع أنه لا يتفق أبدًا مع إيماننا. فلقد أعطانا الله وصايا بوسع الإنسان في إطارها أن يختار بين بدائل متعددة يمكن أن تتفق كلها مع إرادته. بالرغم من ذلك، فإن التوجه القدري في فكرنا يجعلنا نصمم على معرفة الشخص الذي نختاره للزواج منه، بدلا من أن نمارس الاختيار الناضج بحسب المقاييس الإلهية، وتحمل مسؤولية النتائج .

 

وحقيقة الاختيارات المتعددة المتاحة لنا داخل دائرة إرادة الله لا تتعارض مع علم الله السابق للأمور. فالله لا يوجد لديه فارق زمني بين توقيت اختيارنا ومعرفته به. فالزمن مرتبط بحياتنا نحن الذين نعيش تحت الشمس, أما الله  فكل الأزمان والأوقات حاضرة أمامه. والحقيقة التي يصعب علينا فهمها أحيانًا كبشر هي أن قصد الله في أن يُعطي الإنسان إرادة حرة لا يتعارض مع طبيعة شخصه غير المحدود التي تجعله قادرًا على معرفة ما نختار في نفس الوقت.

فوجئت بأحدهم يقول لي: ”أنا لو رحت في وسط الصحرا ربنا هيبعتلي رزقي هناك!“ والمضمون القدري في هذا القول يعفي الشخص من مسؤولية إهماله، وعدم رغبته في العمل.. فهو يريد أن يختار ما فيه مصلحته، أو راحته الشخصية بغض النظر عن تأثير ذلك عليه أو على الآخرين.. وفي كل الأحوال يظل الله مسؤولاً عن ضمان وصول رزقه إليه، لأن الرزق مُقدّر ومكتوب! من المؤسف أن هذا المفهوم القدري السائد في مجتمعنا قد دخل إلى حياتنا وأصبح يؤثر بشكل أو آخر على الكثيرين عند اختيار شريك الحياة.

 

تزعجني العبارة المتوارثة بين عائلاتنا: ”الزواج قسمة ونصيب!“ وعندما توقفت أمامها وجدت أنها تُفقد الشخص الإحساس بمسؤوليته عن اختياره: فعندما يُمتحن زواجه بالصعاب تجده يلقي  باللوم والمسؤولية على الله! فهل حقًا عيَّن  الله لكل واحد شخصًا محددًا إذا لم يتزوجه فلن يحصل على أفضل ما أعده الله لحياته؟ وإذا تزوج أحد أبنائنا طبقًا لاستحسانه، أو بإسلوب تقليدي، هل سيواجه خطر عدم نجاح زواجه؟ والأهم: هل يتفق السؤلان السابقان مع ما يعلِّمه الكتاب المقدس من مبادئ عن حكمة اختيار شريك الحياة؟

لا شك أن هناك اختلافًا في وجهات النظر المتعلقة بإجابة هذه الأسئلة.. لكن بإثارتها هنا أدعو كل أب وأم أن يتوقفوا للحظة ليفكروا في مدى تأثيرالفكر القدري على اختيارات أبنائهم. فنحن بالقدرية نضع أنفسنا في مواجهة مع الله، وإذا تركنا أبناءنا يعيشون حياتهم بحسب المفهوم: ”قدر الله وما شاء فعل!“ فإننا بذلك لا ننمي فيهم شخصية تتحمل مسؤولية اختياراتها.

 

لكن.. كيف لأبنائنا أن يعرفوا أن مَنْ يختارونه للزواج هو الشخص الصحيح الذي يُريده الله لهم؟ "بدون زعل".. هذا سؤال غير صحيح! فكلمة الله، وخبرات الحياة يؤكدان لنا أن حُسن الاختيار لا يتعلق بمَنْ هو الشخص بل بنوعية شخصيته! ولعل سليمان الحكيم عندما قال: ”البيت والثروة ميراث من الآباء.. أما الزوجه المتعقلة (أو العاقلة) فمن عند الرب“، كان يقصد أن شريك الحياة الذي بحسب إرادة الله هو مَنْ يستطيع أن يميز بين الأمور، ويضبط نفسه في مختلف مواقف وظروف الحياة.. وهذا مقياس محوري للاختيار بحسب إرادة الله.

 

وإذا اتفقنا أن الاختيار الصحيح يؤسس أولاً على نوعية الشخصية، فلنعلِّم أولادنا إذن أن بإمكانهم اختيار مَنْ يعجبون به، أو ينجذبون إليه عاطفيًا، مادامت صفات شخصيته تتفق مع المقاييس النوعية التي وضعها الله للاختيار الصحيح، والتي تأتي على قمتها الخلفية الإيمانية المشتركة. وبالرغم من أن هذا لا يعني ألا يكون لأبنائنا صداقات أو علاقات عمل مع مَنْ لا يتفقون معهم في الإيمان، إلا أن الصداقة وعلاقات العمل يختلفان تمامًا عن ارتباط العمر في الزواج.

على أية حال، فإن مجالات الاختلاف بين الزوجين النابعة من عدم وقوفهم على أرضية إيمانية واحدة لا تقتصر فقط على النظرة للعبادة، أو العلاقة بالكنيسة.. بل تتسع لتشمل الحياة بأكملها والحياة الزوجية بشكل خاص. فمفهوم مَنْ سيتزوج ابنتي عن دوره كرجل في الزواج، وكيف تنظر الفتاة التي ستقبل ابني زوجًا للخضوع، الذي تتعهد به في يوم زفافها، هما من أكثر مصادر الخلافات الشائعة بين الزوجين. أمّا اختلاف المفاهيم عن معنى وقيمة الجنس في الزواج، وكذلك الالتزام الجنسي بين الزوجين، وشكل العلاقة الاجتماعية لكل منهما مع الجنس الآخر، فهي أمور يظهر فيها التباين الفكري والأخلاقي بعد الزواج بصورة أعمق مما نتوقع أو نظن.

 

أيضًا.. هل يؤمن مَنْ سيرتبط به ابني أو ابنتي أن الأطفال عطية من الله، وأن تربيتهم والاهتمام بهم مسؤولية مشتركة بينهما؟ وماذا عن الوفاء للأبوين، خاصة إذا كان عمرهما أو حالتهما تحتاج للمعاونة؟ كيف ينظر الطرفان للالتزام بزواجهما في وقت المرض إذا طالت مدته، وهل سيبقى التزامهما كما كان في وقت الصحة؟ هل يُحب ابني أوابنتي أن يرتبطا بشخص أناني لا يفكر إلا في نفسه، واحتياجاته، وسعادته فقط؟ أمور أخرى كثيرة  يمكن لاختلاف وجهات النظر فيها أن يفجرالعديد من المشاكل الأسرية, منها: المشاركة في آداء المسؤوليات المنزلية، ومَنْ يمسك بميزانية الأسرة، وكيفية اختيار فرص الترفيه، وقضاء العطلات.. كذلك فهم الطرفين للخط الرفيع الذي يفصل بين الحكمة  في الإنفاق والبخل.. كل هذه الأمور ما لم يكن فكر الأبناء واضحًا فيها سيكون زواجهم في مهب الريح.. وحوارنا معهم عنها سيمهد لهم الطريق إلى زواج يدوم حتى نهاية العمر.

"مَنْ يجد زوجة (أو زوجًا) يجد خيرًا، وينال رضى من الرب (أمثال ١٨:٢٢). ولا يزال الحديث لبناتنا الصبايا متواصلاً عن صفات مَنْ يخترن للارتباط به، نكمله في المرة القادمة.


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٢١ أغسطس/ آب ٢٠١١)

Copyright © 2011 Focus on the Family Middle East. All rights reserved