Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب

للمزيد من هذه السلسلة:

أبناؤنا والزواج ١              أبناؤنا والزواج ٢             أبناؤنا والزواج ٣

أبناؤنا والزواج ٤              أبناؤنا والزواج ٥             أبناؤنا والزواج ٦

أبناؤنا والزواج ٧              أبناؤنا والزواج ٨             أبناؤنا والزواج ٩

أبناؤنا والزواج ١٠            أبناؤنا والزواج ١١

 


"خد الأصيل واتلف بالحصير!" حكمة يبدو أن تطبيقاتها العملية اليوم تتناقض مع المعنى المقصود بها! وأزمة التطبيق تكمن في أننا نريد "الأصيل" لأبنائنا عند زواجهم بشرط أن "يتلفوا" بالحرير! والحرص الشديد من البعض على استبدال الحُصر بـ "الشينواه" ترجع بمعنى وقيمة "الأصيل" ليصبحا في ذيل قائمة مقاييس الاختيار الأنسب لشريك الحياة .

عنما تسمع كلمة أصيل.. ما المعنى الذي يقفز أولاً إلى ذهنك؟ هل يدهشك اكتشاف أن المفهوم الأقرب إلى الفكر أن الأصيل هو الأفضل اجتماعيا أو ماديا بحسب الحكم الظاهري للناس؟!

 

 ولعل دهشتنا تزداد إذا توقفنا للحظات لنراجع كم الزيجات التي يعاني فيها الأبناء فقط لمجرد أنهم اختاروا شركاء حياتهم بناء على التعريف الأضيق لمَن هو الشخص الأصيل. ولا يستطيع أحد أن يقلل من أهمية توفر المصادر المالية، والسمعة الحسنة لأهل العريس أو العروس عند اختيار شريك الحياة.. لكن ما يضع الأمور في نصابها الصحيح هو قناعتنا بلا أي مساومة أو تساهل أن نوعية الشخصية لابد أن تُعتبر قبل أن تزغلل العين الإمكانية. الحياة مع الأصيل لايفرق معها حصير أو حرير، فمع الأصيل تمتلىء الحياة ببهجة من نوع خاص بغض النظر عن الظروف المعيشية، متيسرة كانت أو متعسرة. فما أصدق التحذير: "يا واخد القرد على ماله.. يروح المال ويفضل القرد على حاله!" وقبل أن تبتسم لهذا القول، لاحظ أن "القرد" هنا يشير إلى شخصية مَن نختار، وليس إلى مظهره كما يظن البعض خطأ .

 

استمرارًا لأحاديثنا عما نحب أن تكون عليه شخصيات أبنائنا، وعن المقاييس التي نريدهم أن يتبعوها عند اختيارهم لشريك حياتهم المستقبلي.. فكرت أن أثير هذه المرة أهمية أن يكون لأبنائنا القدرة على ضبط انفعالاتهم، وضرورة أن ندربهم من صغرهم على التحكم في أنفسهم. وما يُصعب الأمر على كل أب وأم أن هذا السلوك المسيحي والحضاري في ذات الوقت، والذي يمثل جوهر شخصية الأصيل، لا يتعلمه الأبناء بمجرد الحديث عنه، بل بالأحرى عندما يرونه متجسدًا في العلاقة اليومية لأبويهم! فتُرى هل هناك في حياتنا ما يعوقنا عن القيام بهذه المسؤولية المقدسة تجاه أبنائنا؟  قبل أن نكمل الحديث أتوقف لأسأل كل أب يتابعني بالقراءة: "هل يرى أبناؤك، صبيان وفتيات، في أسلوب تعاملك مع زوجتك ما يخلق في داخلهم الاشتياق إلى حياة زوجية سعيدة ومستقرة؟" لا تفشل إن كانت إجابتك "لا"؛ فليس منا مَن هو كامل. نحن جميعًا، بدافع رغبتنا أن نعيش حياة أسعد، ولشعورنا بالمسؤولية تجاه أبنائنا، يمكننا دائمًا أن نبدأ من جديد، ونتحول عن طرقنا القديمة لنختبر بقوة الله الحياة الأفضل التي يريدها لنا.. ويمكنك التواصل معي إذا احتجت لرجل مثلك ليدعمك في توجهك الجديد في علاقتك الزوجية .

 

نحن محاطون بثقافة تقنن شرعية أن يضرب الرجل امرأته، بل ويدعي البعض أن مَن لا يفعل هذا لا يُكرم زوجته! ويذهب آخرون إلى ما هو أبعد من هذا بادعاء أن المرأة تحب أن يضربها زوجها، وأن ضربها يزيد من رغبتها في العلاقة الحميمة معه! من الواضح أن مثل هذه الأفكار الشاذة لا يحتاج العقلاء الذين يسمعونها لتعليق عليها! لنتذكر فقط أن وصية الله لنا كرجال أن نحب زوجاتنا على مثال محبة المسيح للكنيسة. على أية حال، من المؤسف والخطير أيضًا أن الابن الذي يكبر في بيت يرى فيه يد أبيه تمتد بالإهانة والإيذاء لأمه سيفعل في الأغلب نفس الشيء مع زوجته، حتى وإن كان يحبها بجنون. كذلك الابنة التي تخرج مع خطيبها وتجد منه رد فعل عنيفًا أيًا كان سببه، لن تستطيع أن تميز عدم لياقة هذا الإيذاء غير المقبول؛ لأنها ببساطة اعتادت أن تراه في البيت! فلنرحم أنفسنا أولاً، ولنترفق بأبنائنا حتى نضمن لهم مستقبلاً لا يقدّر بأي شيء آخر في الحياة مهما كانت قيمته .

 

لنعلم بناتنا أنه بالحكمة أولاً يمكن أن تبني الابنة بيتها، والبناء لا تعلو جدرانه ويكون آمنًا سوى بالهدوء والتعقل، وبأخلاق وتواضع النبلاء.. وأنه ببطء الغضب يُقنع الزوج، أما الخصام فلا يفلح أبدًا، بل عادة يثير رد فعل مضادًا. لنكرر لهن بينما يكبرن أن الأزواج يُربحون بالسلوك الإيجايي، وثبات الاحترام دون حاجة لكلام. أما أبناؤنا الصبيان فلندربهم كل يوم على كيفية التحكم في مشاعر غضبهم.. فكما يحذرهم كاتب سفر الأمثال من الزواج بامرأة مخاصمة، فإنه يحذر الصبايا أيضا من الزواج برجل غضوب، غير قادر على ضبط كلمات فمه عندما ينفعل.. "البطيء الغضب (الأصيل) خير من الجبار (ذي الإمكانية المادية أو الاجتماعية)." (أمثال ١٦: ٣٢)

 

الصبيان معرضون بطبيعتهم، أكثر من الفتيات، للانفعال العاطفي المتزايد عند تعبيرهم عن غضبهم؛ فتجدهم أحيانا "يخبطون ويرزعون"، وكثيرًا ما تصبح أفواههم كالمدفع سريع الطلقات الذي يقذف الكلمات القاسية والجارحة في وجه الآخرين. ومسؤوليتنا أن ندربهم بصبر كيف يتحكمون في ألسنتهم، وكيف يعبّرون عن استيائهم بأسلوب لائق حتى لا تصبح حياتهم في المستقبل مثل "مدينة منهدمة بلا سور" - بحسب وصف الكتاب المقدس للرجل الذي ليس له سلطان على روحه (أمثال 25: 28). الابن الأصيل هو الذي يدربه أبواه من صغره على التحكم في لسانه، فالذي يتعلم كيف يفعل ذلك سيستطيع أن يضبط كل تصرفاته.. فكما يمكن لأصغر النار أن تحرق غابة كبيرة، فإن اللسان مع صغره يمكن أن يدمر أسرة كان متوقعًا لها أن تكون سعيدة !

 

لنعلم أولادنا صبيانًا وصبايا أن اللسان يمكن أن يفيض بالبركة فيمجد الله ويسعد شريك الحياة.. لكنه يمكن أن يطفح بكلمات السخرية التي تحبط المشاعر، وتثبط العزيمة، وتخذل التوقعات، وتهدم الفكر الخلاق، وتطعن كرامة الآخر. من أجل هذا أخذ السيد المسيح الوصية القديمة "لا تقتل" من سلبيتها إلى بُعد حياتي حي عندما علمنا بأن من استهزأ بأخيه (أو أخته)، أو من طعن الآخر في شخصيته بما يهينه، فقد قتله! وقد أراد المسيح تأكيد أن قتل الجسد وقتل النفس كليهما  يناقضان وصية الله، لكن الأشد قساوة أن يعيش الواحد منا بالجسد بنفس مقتولة معنويًا.. فأي لسان نتمنى أن يكون لأبنائنا؟

يا كل أب وأم، لنذكّر أبناءنا الصبيان مرارًا أن الوصية الأعظم بعد محبة الله هي أن تحب قريبك (شريكة حياتك المستقبلية)  كنفسك. ولنخبر بناتنا ما حدث مع فتاة كانت مع خطيبها في سيارته قبل أيام من زفافهما.. وإذا بقطة تقطع طريقهما بتباطؤ، فما كان منه إلا أن زاد فجأة من سرعة السيارة ودهس القطة المسكينة تحت عجلاتها، وقد ظن أن في ذلك "روشنة" ستعجب بها حبيبته! لكنها فاجأته بطلب إنهاء العلاقة معه في الحال.. ولما حاول بكل الطرق أن يرجعها إليه، قبلت بشرط أن يعيد أولاً الحياة إلى القطة التي لم يرحمها! يا ابنتي، الشخص العنيف مع الآخرين، وغير الرحيم بخلائق الله الأخرى، لا ترتبطي به زوجًا؛ فمثل هذا السلوك سينال منك بعد الزواج .


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ١٨سبتمبر/ إيلول ٢٠١١)

Copyright © 2011 Focus on the Family Middle East. All rights reserved