Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: دكتور تود كارتميل

 

"تومي، كُفْ عن مضايقة أختك"

"سوزي، ألم تنتهي حتى الآن من واجباتكِ؟ ماذا كنتِ تفعلين كل هذا الوقت؟"

"جوني، أظن أن قلت لك لن تأخذ المزيد من الحلوى اليوم!"

 

كآباء وأمهات، لو أخذنا جنيهًا في كل مرة نذكّر فيها أبناءنا بالتوقف عن المجادلة، أو جمع ألعابهم، لكنا جمعنا من المال ما يكفي لقضاء الصيف القادم في هاواي. لماذا يبدو أن أطفالنا لا يتوقفون عن خطف الأشياء من بعضهم البعض، ومضايقة وضرب بعضهم البعض، والصراخ، والشكوى، والتأجيل؟

ربما يكونون أطفالاً رائعين، لكنهم لا يتمتعون دائمًا بمستوى رائع من ضبط النفس.

ما أهمية ضبط النفس؟

ببساطة ضبط النفس هو قدرة طفلك على التوقف والتفكير قبل التصرف. بالطبع هذا يوفر فرصًا أفضل لطفلك لصنع اختيارات صائبة في مواقف بعينها. على سبيل المثال: أن يختار ألا يجادل حول اللعب على الكمبيوتر، أو يختار ألا يضرب أخته. بمعنى آخر، ضبط النفس هو القدرة على الاحتفاظ بالتركيز على الهدف أمام إغواء الأشياء التي تسبب التشتت، مثل اختيار إنجاز الواجبات المدرسية عندما يكون إغواء الدخول على الفيسبوك على بُعد ضغطة مفتاح واحدة.

 

ضبط النفس هو تحدي العمر كله، وهي فضيلة تستفيد من العادات الجيدة التي غُرست في السنوات الأولى. وجد "والتر ميتشل"، الأستاذ الجامعي وعالِم النفس الاجتماعي، أن الأطفال الذين يُظهرون قدرًا أكبر من ضبط النفس– ربما في عمر الرابعة- يكونون أكثر تحصيلاً أكاديميًا، وأكثر شهرة بين أقرانهم ولدى أساتذتهم، وأقل عرضة للدخول في مشكلات المخدرات، ويكسبون رواتب أعلى عندما يكبرون.

الجدير بالملاحظة أن ضبط النفس هو العامل المحدد لنجاح هؤلاء الأطفال– وليس "تقدير الذات". إن مشكلة إخبار الأطفال بأنهم فائزون وأبطال- قبل أن يفوزوا أو يحصلوا على بطولة- تتمثل في أنك بذلك تشجع على الإحساس المغلوط بالإنجاز. على النقيض، فإن ضبط النفس يؤدي إلى خيارات جيدة، والخيارات الجيدة هي أساس "تقدير الذات". الطفل الذي يمارس ضبط النفس في خياراته المتعلقة بالواجبات المدرسية، والعلاقات العائلية، والصداقات، والأنشطة الأخرى سيجدون أن "تقدير الذات" السويّ ليس بعيد المنال عنهم.

ضبط النفس شيء جيد، وليس الباحثون فقط مَنْ يظنون ذلك.

الكتاب المقدس وضبط النفس

سفر الأمثال يُثني على ضبط النفس بتشجيعنا على طلب الحكمة والفهم، وأن نكون واعين لسلوكنا وضبط لساننا. تأمل بعض آيات سفر الأمثال:

"العامل بيد رخوة يفتقر، أمّا يد المجتهدين فتُغني" (أمثال ١٠: ٤)

"أوجدت عسلاً؟ فكُلْ كفايتك، لئلا تتخم فتتقيأه" (أمثال ٢٥: ١٦)

"الجاهل يُظهر كل غيظه، والحكيم يُسكِّنه أخيرًا" (أمثال ٢٩: ١١)

وإذا ذهبنا إلى العهد الجديد، سنجد أن بولس الرسول يذكر ضبط النفس ضمن قائمة السمات المميزة التي يريدنا الله أن نكتسبها: "أما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف (ضبط النفس)" (غلاطية ٥: ٢٢ و٢٣).

تحدي العمر كله

ضبط النفس هو قدرة تُكتسب بمرور الوقت.. فكّر في هذه الفضيلة كعضلة تنمو أو تضعف بناءً على مدى استخدامها؛ فمثلما يحدث مع مَنْ يواظبون على الذهاب إلى "الجيم"، هكذا الأمر مع فضيلة ضبط النفس.. كلنا، وأنا منكم، نحتاج أن نتدرب بشكل منتظم إذا أردنا أن نجدها عندما يتطلب الأمر ذلك.

 

تأمل، على سبيل المثال، رجلاً يجد نفسه بمفرده في البيت مساءً، ويخطط للقيام ببعض المهام المتأخرة، ليكتشف "صدفة" أن هناك فيلمًا من سلسلة أفلام أكشن شهيرة مذاعًا على التلفزيون. معظم الرجال لن يفضلوا فقط مشاهدة الأفلام عن إنجاز ما لديهم من عمل، بل سيطلبون سندوتشات أو بيتزا "ديليفري".

 

إذا ظننت أنك تستطيع أن تربح هذه المعركة، تأمل بعض الجوانب الشائعة التي تتطلب ضبط النفس، مثل المواظبة على التدريبات الرياضية، التحكم في الانفعالات، الوقت الذي تقضيه في ألعاب الفيديو، الصلاة، أو حتى الالتزام بالإنفاق في حدود الميزانية.

خمسة مفاتيح لتنمية ضبط النفس

إذا أردت أن تضع أبناءك على خطة للتدريب على ضبط النفس، التي قد تجعلهم يصبحون أبطالاً أوليمبيين، إليك خمسة مفاتيح أساسية لبناء ضبط النفس يمكن البدء في تنفيذها من الآن. وهي لا تحتاج أيضًا إلى جهاز رياضي في البيت، أو عضوية في صالة "جيم".

١- شجع العادات الجيدة: ما هو العامل المشترك في العادات الجيدة؟ أولاً، لا نشعر دائمًا أننا نحب أن نفعلها. ثانيًا، إذا واظبنا عليها، فإنها تؤدي إلى نتائج إيجابية. هذه هي السمة الأولى التي تساعد على ضبط النفس. في كل مرة يمارس أبناؤك عادة جيدة (مثل غسل الأسنان بالفرشاة، وضع ألعابهم في مكانها، إنجاز واجباتهم المدرسية، خاصة عندما لا يشعرون أنهم يريدون أن يفعلوا ذلك)، فهم بذلك يبنون عضلات ضبط النفس تدريجيًا.

 

 ٢- شجع تحمُّل المسؤولية: بطريقة مناسبة لكل مرحلة عمرية، اسمح لأطفالك أن يكونوا مسؤولين عن تصرفاتهم. بكلمات أخرى، إذا فقدت سوزي لعبتها التي طلبت منها وضعها في مكانها أكثر من مرة، لا تتسرع في شراء لعبة أخرى لها. بالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، ضع نظامًا للاستيقاظ وللنوم (يمكنك تعليق لافتة بذلك في الحمام وغرفة النوم)، وساعدهم على طريقة تنفيذ هذا النظام بأنفسهم. بالنسبة للأطفال الأكبر، أعطهم مهامًا منزلية معقولة ليقوموا بها، واطلب منهم أن يتذكروا هذه المهام بأنفسهم (ولو اضطررت لتذكيرهم بنفسك من وقت لآخر فلا بأس من هذا).

 

 ٣- ضع الحدود: جزء من تعلُّم الأطفال لفضيلة ضبط النفس هو اختبار ما يحدث عندما لا يمارسون ضبط النفس. إذا تحدث ابنك بطريقة غير محترمة مع أحد والديه أو إخوته، فهو يحتاج إلى تعلُّم الدرس الصحيح.. ألا وهو أنه من الأفضل جدًا أن يراعي اختياراته قبل التصرف. ربما أسلوب الوقت المستقطع (Time-out)، أو الحرمان من بعض الامتيازات سيساعد طفلك على تعلم أن ممارسة ضبط النفس وعمل اختيارات تتصف بالاحترام هما الطريق الأفضل دائمًا.

 

٤- اضغط على مفتاح التوقف (Pause). تذكر أن ضبط النفس يمكن اختباره بالقدرة على التوقف والتفكير قبل اتخاذ قرار أو القيام بسلوك معين. دعنا نلقي نظرة على كل من التوقف والتفكير:

 

  • التوقف: هذا يعني التوقف عن الكلام أو أي تصرف لمدة دقائق. قد يكون من النافع أن تعلِّم أبناءك شيئًا يفعلونه أثناء هذا التوقف، مثل أخذ نفس عميق. (لاحظ أنك لا تستطيع أن تتحدث بينما تتنفس بعمق.) التوقف والتنفس بعمق لم يتسببا للأطفال في أية متاعب أبدًا.
  • التفكير: بمجرد أن يتوقف طفلك، فإنه يعطي نفسه فرصة ليفعل شيئًا هامًا: ألا وهو أن يفكر. التفكير بمرونة يعني النظر إلى الموقف من منظور مختلف. فيما يلي أربعة أسئلة يمكن لطفلك أن يقولها لنفسه لتساعده على التفكير بمرونة في أي موقف، ويكتسب فضيلة ضبط النفس، ويزيد من فرص عمل خيارات جيدة. اكتب هذه الأسئلة بالطريقة التي تناسب طفلك، على فرخ من الورق، واحفظاها معًا عن ظهر قلب، حتى يمكن استدعاء هذه الأفكار بشكل تلقائي:

 -     ما هي أفضل طريقة للتعامل الآن؟

 -     ماذا يريدني الله أن أفعل؟

 -     هل هذا شيء مهم حقًا؟

 -     هل من الأفضل أن أرجع لأبي أو أمي في هذا؟

 

  ٥- شجع على تأجيل الإشباع: وهي القدرة على بذل جهد في تنفيذ مهمة ما بدون مكافأة فورية عليها. على سبيل المثال، تناول قطعة من الحلوى فيه إشباع فوري. أكل الخضار غالبًا به درجة من الإشباع الفوري الأقل (على الأقل من وجهة نظر الطفل)، ولكن الصحة الجيدة من فوائده على المدى البعيد. استغل كل فرصة يمكن لأبنائك أن يشتركوا في مهام تتطلب تأجيل الإشباع، مثل ادخار النقود، التدرب على آلة موسيقية، التمرينات الرياضية، المذاكرة من أجل الامتحانات، أو (للأطفال الأصغر) إكمال صورة "بازل".

ملاحظة أخيرة: عندما ترى أطفالك يعملون بجد على مهام تتطلب تأجيل الإشباع، احرص على أن تخبرهم أنك فخور بهم وبالجَهد الذي يبذلونه. التشجيع البسيط له فائدة كبيرة.

 

تقابل مع توني

"توني" صبي في الحادية عشرة من عمره، وكان متحمسًا جدًا لظهور إصدار جديد لأحد ألعاب الفيديو، وكان مستعدًا أن يضحي بلعبة قديمة لديه ليحصل عليها. تستطيعون أن تتخيلوا خيبة أمل توني عندما علم أنه لن يشتري اللعبة فور صدورها بسبب سعرها المرتفع.

لذلك بدأ توني في الانتقال إلى حالة "النكد" الكاملة، واثقًا أن إصراره العنيد سيرهق والديه في النهاية وسيحصل على لعبته التي يتمناها. كان توني يرتكب خطأ يرتكبه كل الأطفال.. "النكد" لن يزيد من إمكانية الحصول على اللعبة.

 

لم يحصل توني أبدًا على اللعبة الجديدة، لكنه تعلَّم بعض الدروس المهمة. وجد توني أن "النكد" حرمه من استخدام ألعاب الفيديو التي يملكها فعلاً، ولدهشته الشديدة اكتشف أن بمقدوره أن يتعايش مع الرعب الشديد الناتج عن معرفته بأنه لن يستطيع أن يحصل على كل لعبة جديدة تصدر في السوق.

اختار توني أن يبدأ في ادخار مصروفه حتى يستطيع أن يشتري ألعابًا جديدة (التي يوافق عليها والداه)، إذا لم يُرد أن ينتظر حتى الكريسماس أو عيد ميلاده.

 

إن وضع خطة عمل لاكتساب ضبط النفس قد لا يجعل أطفالك أبطالاً أوليمبيين، لكنه سيساعدهم أن يصبحوا كبارًا يعرفون قيمة العمل الجاد، واحترام الآخرين، وإنجاز عملهم قبل مشاهدة فيلم الأكشن.


د. تود كارتميل هو أخصائي نفسي للأطفال، ومؤلف لخمسة كتب في التربية منها: "Respectful Kids and Project Dad  ".

Originally appeared in the March/ April 2014 issue of Thriving Family magazine.

Copyright © 2014 Dr. Todd Cartmell. Used by permission.