Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: سامي يعقوب
    تُرى ماذا تعني شهادة الثانوية العامة لمستقبل ابنك أو ابنتك؟ سؤال لابد من أن نقف أمامه كآباء وأمهات ونجيب عليه بصدق مع النفس، حتى لا نحطم أبناءنا، ونطلقهم أحرارًا لمستقبل لا يفرضه عليهم «مكتب التنسيق».
 

    في مثل هذا الموسم من كل عام، أعود بذاكرتي إلى سنين مضت، عندما كنت أسعى بعناد للدراسة في أحد كليات، ما يحلو للناس أن يطلقوا عليها باطلاً لقب «القمة».. ولم أكن آنذاك أفهم أن طريق النجاح في الحياة لا يرتبط بالضرورة بالمجموع الذي حصلت عليه، أو تحدده الكلية التي أحرزت درجات تؤهلني للانضمام إليها. وقد فقدت بعضًا من أثمن سنوات العمر قبل أن أستفيق على حقيقة أن ما يمكن تحقيقه من نجاح وسعادة يتوقف بشكل أساسي على مقدرة الإنسان أن يطور من شخصيته، ويستخدم ما وهبه الله له من إمكانات وميول طبيعية، بدلا من ضياع السنين في محاولة تحسين المجموع للدراسة في مجال بعينه.. وعندما ركزت اهتمامي على استكشاف وتشغيل الطاقات الكامنة داخلي، تلك التي لا يمكن للمناهج الدراسية النمطية أن تُظهرها، والتي ظُلمت بتجاهلها عن غير قصد خلال سنوات الدراسة؛ بسبب اعتماد الحفظ كأسلوب لا يوجد غيره للتعلُّم، تفتحت أمامى سبل الحياة وفرص النجاح.

    على أية حال، لولا إخفاقي في إحراز الدرجات التي كان يمكن أن تؤهلني للانضمام إلى أهل «القمة» دراسيًا، لما استطعت أن أواجه أكبر مخاوفي بقبول تحدي تجربة ما هو غير تقليدي.. ولا كنت قد اكتشفت أن النجاح يتحقق بقوة الإرادة، وضبط النفس والمثابرة، وإعادة المحاولة بلا يأس بغض النظر عن نوعية الدراسة أو درجة الشهادة. لقد تعلمت من تجربتي المؤلمة مع «الثانوية العامة» ما لم أجده في الكتب المدرسية، وما لم أسمعه في الدروس الخصوصية.. وعندما تحررت من قيود ظن الناس أن قيمة الشخص تقاس بمقدار «المجموع» الذي حصل عليه، اكتشفت في نفسي من القدرات ما يفوق في قيمته وتأثيره في الحياة كل تخيل.. وتعلمت كيف أركز على الأشياء التي أحبها وأجيدها أكثر من تلك التي لم تكن تتفق مع طبيعتي وميولي الشخصية. في فترة الأزمة، اختبرت معان جديدة للصداقة من خلال أولئك الذين لم يتخلوا عني عندما كنت أبدو فاشلاً في نظر الآخرين، وعرفت متعة أن أنجز أعمالاً قال لي البعض أنه يستحيل تحقيقها! وفيما بعد، أدركت أن الله لم يكن أبدًا خارج المشهد، وأنه لم يحدد هُوية مستقبلي من خلال «عنق الزجاجة» الشهير باسم «مكتب التنسيق»، لكنه كان يُعدني من خلال ما ظننته إخفاقًا لمستقبل رأه في محبته هو الأفضل لتحقيق مقاصده في حياتي ومن خلالها أيضًا.
 

    ولابد من الاعتراف بأن اختبار النجاح الذي وُلد من رحم فشل وإخفاق، لم أكن أستطيع أن أراه كاملا عند بداية الطريق. لكني عندما أنظر الآن للوراء أتعجب للطريقة التي سارت بها الأمور معي، خلافًا لقاعدة تقييم النجاح قياسًا على الدرجة والمجموع فقط. لقد كانت حكمة الله أن يُرفع الستار عن مستقبلي تدريجيًا حتى أتعلم كيف أخطو معه بالإيمان في رحلة حياة لم تكن واضحة المعالم عند نقطة البداية.. وربما لو كان الستار قد رُفع دفعة واحدة لأرى مسبقًا كل ما كنت سأجتاز فيه، لما كنت سأجرؤ على خوض مغامرة ما اخترت أن أجربه لتحقيق ما كنت أحلم به!

واليوم أكتب لأشجع كل أسرة أن تقبل النتيجة التي حصل عليها الابن أو الابنة كخطوة للبداية وليس كقدر يحدد تفاصيل مستقبله، أو مستقبلها. أبناؤنا ليسوا ماكينات للدراسة والحفظ؛ فما يحصلون عليه من درجات لا يمثل فقط نتاج الساعات التي يقضونها في الاستذكار، بل إنه تعبير أصيل عن  تفردهم كشخصيات خلقها الله بطاقات أخرى للنجاح كامنة في داخلهم، لكن أسلوب التعليم الذي لا يهدف إلا لتحفيظ التلاميذ لما يكتبونه في ورقة الامتحان ليطابق «نموذج الإجابة» هو الذي لم يسمح لها بالخروج على السطح! أنا أعرف أن «المجموع» في تقدير الكثيرين هو كل شيء، لكن في واقع الحياة العملية لا شيء يُضاهي الخبرة. فبعد التخرج والحصول على الوظيفة لن يسأل أحد عن المجموع أو الدرجات، لأن ما سيصنع الفرق هو قدرة الشخص على توظيف معرفته في الإنجاز الخلاق للأعمال في ظل ظروف العمل المختلفة، وكذلك قدرته على الإبداع والتجديد في مواجهة تحديات مهنته.. النجاح في الحياة العملية يعتمد بصورة أو أخرى على هذه القدرات، والتي لا تُعلَّم عادة في فصل المدرسة!

    أيها المحبطون بسبب المجموع الذي حصل عليه الابن هذا العام، أو لنتيجة مكتب التنسيق التي لم تسمح للابنة أن تدرس ما كنتم تتوقعونه لها.. أدعوكم للتوقف للتفكير في أعظم الشخصيات التي أثرت في العالم من المفكرين والقادة والرواد في كل مجال، الذين سجل التاريخ أسماءهم بأحرف من نور، أو الذين يعيشون بيننا حتى اليوم.. أولئك العظماء لم يحققوا نجاحهم سوى باختراقهم لحاجز الفشل بحسب تصنيف ومقاييس المجتمع، ولم ينطلقوا للنجاح العالمي إلا بعد أن قبلوا الواقع، ثم غامروا بالسير إلى ما وراء المتوقع منهم. أغلب هؤلاء لم يحرزوا نجاحًا مبهرًا أثناء وجودهم في المدرسة، بل أن بعضهم طُرد منها قبل أن يحصل على شهادة التخرج.. لكن ما حققوه من إنجاز رفع من شأنهم، وصنع فرقًا في حياة الناس في العالم بأسره، لم يكن يحدث إلا .. أولاً بتشغيلهم لمواهبهم، واستخدامهم لذكائهم الفطري الذي لم يكن بالضروة ذكاءً دراسيًا.. وثانيًا لعدم تأثرهم بما يُعطيه مَنْ كانوا حولهم عندما بدأو رحلة اجتهادهم من قيمة وثقل مبالغ فيهما للمجموع أو الدرجة!
 

    نجاح الأبناء في الحياة يتوقف أكثر مما نظن كوالدين أنه الأفضل لهم من وجهة نظرنا.. ولابد أن يتخطى رغبتنا الدفينة أن يحققوا ما فشلنا نحن في تحقيقه من قبل.. هناك فرص غير محدودة في الحياة للنجاح خارج الإطار المألوف للمقاييس التي تفرضها الكثير من المجتمعات، والتحدي أمامنا هو كيفية تشجيعهم على استكشافها، وخوض مغامرة تجربتها بلا خوف ما دامت تتوافق مع طبيعة شخصياتهم.. لعلي أعتقد أن كل ابن من أبنائنا به عبقرية ما كامنة في داخله،  سنطمرها إذا حبسناهم في حدود توقعاتنا منهم.. «إذا حكمنا على سمكة من خلال قدرتها على تسلق شجرة، ستظل لبقية عمرها معتقدة أنها غبية!» (ألبرت إنيشتين).  

 

    بقي أن نُصغي لما يقوله سليمان الحكيم عن صنع المستقبل: «في قلب الإنسان أفكار كثيرة، لكن مشورة الرب هي تثبت» (أمثال ١٩ : ٢١)..  فماذا تطلب لأبنائك، أفكار قلبك لمستقبلهم، أم مقاصد الرب لحياتهم؟   


  (نُشر بجريدة وطني بتاريخ 2 أغسطس/ آب 2015)

Copyright © 2015 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.