Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

بقلم: توني إيفانس
كنتُ قد درست عن سور الصين العظيم في المدرسة، لكنَّ دروس التاريخ أو الصور لا تقارن بخبرة الوقوف أمام هذا السور العظيم. يرتفع السور فوق الأرض كما لو كان حيًّا، ويستدير عاليًا حول المنطقة الريفية في منظر يوحي بالضخامة والقوة.

ثم بدأنا نتسلق.. ولم يسبق لي من قبل أن صعدت على درجات كثيرة وصعبة وغير مستوية- هذه الدرجات التي أُعدت في البداية لعرقلة تقدُّم الأعداء بسرعة. وعندما وصلنا لنقطة المشاهدة، وقفتُ مذهولاً أمام ضخامة الحجارة والبنيان الذي يمتد عبر الأفق.

على مدار مئات السنين، وفَّر هذا السور العظيم حمايةً ضد الهجمات المسلحة والغارات التي يقوم بها الجيران الأعراب. لكنَّ السور قد تم اختراقه عام ١٦٤٤ على يد مجموعة من الغزاة يُطلق عليهم "المنشو" (Manchus)، الذين نجحوا في إبرام اتفاق مع ﭼنرال شهير ليفتح لهم البوابات كي يدخلوا إلى الصين. وبالتالي تم الانتصار على مملكة بسبب هفوة واحدة، لكن خطيرة، تتعلق بالاستقامة (Integrity).

 الاستقامة مهمة في حياة أبنائنا بقدر أهميتها القصوى لأمان مملكة كبيرة. نحن نرسم حدودًا واضحةً لحماية أطفالنا، لكن الاستقامة هي التي تحفظ هذه الحدود في مكانها. هذه الفضيلة الأساسية تمنح أبناءنا قوة على مقاومة الشيطان عندما يحاول منعهم من تحقيق قصد الله لحياتهم.

هل نستطيع أن نعلِّم أبناءنا أن يعيشوا الاستقامة؟ قطعًا نحن نساعد في بناء أساسات الشخصية بينما نربي أطفالنا على معرفة محبة الله والمبادئ التي يوصينا بها. لكن اكتساب أبنائنا للاستقامة يمثل قضيةً أعمق من مجرد تلقينهم القيم الكتابية، كما يتطلب فهمًا أوسع وأشمل للأسباب التي تتطلب منا أن نعيش وفقًا لهذه القيم- ويتطلب من الآباء والأمهات أن يصغوا جيدًا لقلوب الصغار ودوافعهم.. وهذا أمر شاق بالتأكيد. فيما يلي بعض الحقائق التي يجب مراعاتها عند العمل على ترسيخ روح الاستقامة في نفوس أبنائك:

الاستقامة أمر داخلي

أولاً ساعد طفلك على فهم أن الاستقامة تتضمن أكثر من رأي أصدقائه أو مُدرسيه فيه.. فما يعتقده الآخرون عن الشخص يشكّل سمعة الشخص أمامهم، وبالرغم أن هذه السمعة قد تتأثر بسبب الافتقار إلى الاستقامة، لكنَّ الاستقامة نفسها تتكون من القيم والأفكار الراسخة بداخل الشخص.

بالطبع لا يوجد أب أو أم يقدر أن يطَّلع بالكامل على ما يجري بداخل أبنائه، وعلى كل الأفكار والعوامل التي تتحكم في قراراتهم اليومية. ولكن بمرور الوقت، مع الكثير من الحب والحوارات المتبادلة، نصبح على تواصل أكثر مع ما يجري في قلوب أطفالنا ودوافعهم، ونستطيع أن نحدد هل يعيشون بمحبة صادقة لله واحترام لمبادئه، وسنعرف مدى التزامهم وتمسكهم بهذه القيم. هل أسوار الحماية الخاصة بهم-معاييرهم الأخلاقية- تتواجد فقط عندما يراقبهم أشخاص بعينهم؟ ساعد أطفالك على إدراك أن الاستقامة الحقيقية تعني أن نعيش قناعتنا في كل الأحوال والظروف، وبالتالي ما يقولونه أو يفعلونه هو نفس الشيء، وبالأخص عندما لا يوجد مَنْ يراقبهم.

الاستقامة لا تحكمها تشريعات

كثيرًا ما كنتُ أظن أن الأمر سيصبح سهلاً لو استطعنا أن نشرِّع الاستقامة لدى أبنائنا عن طريق تنفيذ الوصفة الصحيحة من القواعد والتبعات التي تحدد كل قراراتهم المستقبلية. لكن القواعد السلوكية لا تعبِّر عن جوهر الاستقامة، ويجب أن يكون هذا واضحًا عندما تفكّر في عدد القواعد السلوكية في عالمنا التي يتجاهلها الناس عندما لا يتواجد المسؤولون عن تفعيلها وتنفيذها. في الواقع، حسب كلام الرسول بولس، القانون (الناموس) يمكن أن يثير فينا الميل لانتهاكه (راجع رومية ٧: ٥)، ولا تنسَ  أن الفريسيين كانوا بارعين في اتباع القواعد، لكن المسيح أخبرهم أن تطهير داخل الكأس أهم بكثير من تطهير خارجه (راجع متى ٢٣: ٢٥ و٢٦). قال الرب يسوع إن نقاوة القلب أهم بكثير من الالتزام بالتقاليد ومراعاة القواعد.

إن تربية أبناء يتسمون بالاستقامة أمر أعمق من التحكم في مقدار الوقت الذي يقضونه مع ألعابهم أو في الخارج مع أصدقائهم، بل الأمر يتجاوز أيضًا شكل الملابس التي يرتدونها، وفي أي عمر يمكن أن يستعملن مستحضرات التجميل. إن تربية أبناء يتسمون بالاستقامة يعني تسليحهم بالحكمة لكي يميزوا بأنفسهم المعايير والحدود- بما يتفق مع مشيئة الله. لذلك اجعل القواعد العائلية تقترن دائمًا بالمنطق والأسباب وراء هذه الحدود. وبطرق بسيطة ملائمة، دَع أطفالك يساعدون في رسم هذه الحدود بمجرد أن يُظهروا فهمًا للأسباب والأهداف من ورائها.

في يوم من الأيام سيكبر طفلك وسيترك البيت، ولن يوجد مَنْ يضع أو ينفذ القواعد التي يحتاجها ليسلك حياة تتسم بالمسؤولية. في كثير من الأحيان، الأطفال الذين يتلقون حماية وسيطرة مفرطة لا يعرفون كيف يديرون حياتهم بدون قواعد خارجية. في بعض الأحيان قد يؤدي هذا إلى التمرد، أو سوء إدارة الوقت والموارد، وكلما كبروا في السن تصبح أخطاؤهم أكثر فداحة.

الاستقامة مصدرها الله

إن عملية ترسيخ روح الاستقامة في نفوس أبنائنا هي عملية معقدة، وتتطلب الكثير من الوقت والاهتمام المستمر. الآباء والأمهات المشغولون يميلون إلى تقليص مفاهيم الإيمان والاستقامة إلى قائمة معقولة من النواهي والمسموحات. هل يقول الصدق لأبويه؟ حسنًا. تكمل واجباتها المدرسية دون تذكيرها بهذا باستمرار؟ حسنًا. إلا أن التركيز على الأمور الملموسة أكثر من الدوافع الداخلية، يجعل القواعد السلوكية تحجب المكان الصحيح لله في قلب طفلك، وتصبح القواعد بديلاً عن الله، وتصبح سهلة التنفيذ عندما تكون مريحة، سهلة التبرير للهروب منها عندما تكون صعبة.

كثيرًا ما أقارن الاستقامة بأجهزة الكشف عن المعادن في المطارات.. عندما نعبر خلال هذا الجهاز، فإن وظيفته هي استشعار أية مواد معدنية خطيرة قد نحملها معنا. لكن هذا الجهاز يحتاج لمَنْ يضبطه، وهذا الشخص يحدد مستوى قدرة الجهاز على استشعار هذه الأشياء. بعض هذه الأجهزة ترصد بسهولة أية كمية بسيطة من المواد المعدنية، لكن إذا كانت حساسية الجهاز منخفضة للغاية، فهي نادرًا ما ترصد أي شيء. إن ضبط جهاز الكشف عن المعادن يشبه ضبط ضمير ووجدان طفلك.

ساعد طفلك على أن يتعرف على قلب الله.. أي الأشياء التي يعتز بها والأشياء التي تُحزنه. هذه هي الاستقامة الحقيقية: فهم نقي لما هو صائب وما هو خطأ حسب قصد الله، والتزام بطلب مشيئته لحياتنا. نحن نعيش في عالم تنحَّت فيه الاستقامة، لكن طفلك عندما يملك هذا الوعي سيبتعد عن إغواءات الكسل والانحراف الأخلاقي واللامسؤولية.

إذا منحت ابنك أو ابنتك حساسية مرهفة نحو الأمور التي تُحزن الله، فإن ضميره سيملي عليه كيف يعيش حياة القداسة.


Adapted from Raising Kingdom Kids, a Focus on the Family book published by Tyndal House Publishers, Inc. © 2014 Tony Evans. Used by permission.