Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

هلم نتحاجج ٢ inside

بقلم: سامي يعقوب

          المزيد من هذه السلسلة:

                        ”هلُمَّ نتحاجج!“ (١)           ”هلُمَّ نتحاجج!“ (٢)

 

         لماذا اخترت هذا العنوان للحديث عن التواصل بين أفراد الأسرة؟ لأنه بهذه الكلمات وجّه الله الدعوة للشعب في القديم لكي يرجعوا للتواصل معه، وكانوا قد ابتعدوا، وفصلتهم خطيتهم عنه. لم تأت دعوته للتواصل بصيغة الأمر، بل بفتح الباب للحوار والعتاب، والوعد بالمغفرة عند التجاوب معها: «هلم نتحاجج، يقول الرب، إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف» (إشعياء ١: ١٨).

         من الواضح أن النص في قرينته الأولى يتحدث عن دعوة الله لشعبه أن يتوبوا ويرجعوا عن خطيتهم فيغفر لهم، ويبيض صفحة علاقتهم معه؛ فيعود التواصل بينهما. لكن النص في نفس الوقت يضع مقياسًا للتواصل الفعال بين مَنْ نعيش معهم وبينهم. كلمة «هلُمَّ» تعني بحسب المُعجم "ضُم نفسك إلينا".. أي اقترب منا، وتواصل معنا. أما كلمة «نتحاجج» فجاءت في اللغة الأصلية للنص بمعنى "ليتنا نتحاور معًا بالحجة والمنطق"، أي نتناقش لكي نُقنع أو نقتنع.

         إن إيجاد الوقت الكافي للحديث معًا كزوجين، وكوالدين مع الأبناء مجتمعين أو منفردين، من أكبر تحديات التواصل الفعال في الأسرة.. ربما تحدٍّ أصعب من نقص الموارد المالية في زمن الغلاء الحالي. الجلوس وجهًا لوجه للحديث معًا في كل ما يهمنا ماديًا أو معنويًا يحقق التفاهم المتبادل، ويفتح الأعين على الاحتياجات الشخصية.. يجعل العتاب مقبولاً، ويسهل على النفس الاعتراف بالخطأ. ولا حاجة أن تكون كل أحاديثنا جادة؛ فللمرح فعل السحر في النفوس. وليس مثل مشاركة الأبناء بخبرات الحياة الحلوة والمرة، الإيمانية والعملية.. مما يمكن أن يشجعهم على خوض سباق المستقبل بشجاعة وثقة. على أية حال، ما لم نخطط لقضاء وقت للحديث معًا كأسرة لن نجد هذا الوقت أبدًا.

         التواصل الفعال يعني التعبير المباشر عن المشاعر.. قديمًا كان التعبير الصريح عن المشاعر ليس من مكارم الأخلاق؛ فكتب الشاعر الذي لم يستطع أن يصرح بحبه لمحبوبته: «إن اللبيب بالإشارة يفهم!» لكن الزمن تغير، ومهما إن كان شريك الحياة لبيبًا.. فطينًا أو ذكيًا، فهو في حاجة لتعبيرك الصريح عن مشاعرك أيًا كان نوعها. كم مرة في النهار بتقول ”شكرًا“؟ كم مرة سمعك زوجك بتقولي له ”إنت على حق“؟ كام مرة بادرت بالتعبير عن مشاعر حبك لها، وكام مرة بتسيبها تتسول هذه المشاعر؟ كام مرة لما مش بتفهم ابنك أو ابنتك بتهجم عليه برد فعل عنيف، وكام مرة بتطلب منه برفق إنه يوضح وجهة نظره؟ دي مجرد أمثلة للفرص التي يمكن أن نعبر فيها عن مشاعرنا بالإيجاب أو السلب.. يا بنقرب من بعض، يا بنبعد أكتر عن بعض!

         الاستماع للآخر مهم للتواصل الفعال، لكن الانتباه للرسائل غير المنطوقة مهم بنفس القدر.. أحيانًا يُعبر الواحد منا عما يريده بتعبيرات وجهه وحركات جسمه اللاإرادية، بينما كلماته تقول شيئًا آخر تمامًا! نحن بحاجة أن ندرب أنفسنا على فهم الكيفية التي يعبر بها الآخر عما يقصده، خاصة مشاعر الضيق أو الإحباط. هذا لا يعني أننا بحاجة لتشغيل الحاسة السادسة، فنفسر الدوافع، أو نفهم الذي يقصده الآخر دون أن نسأله لنفهم. ولأن لكل شيء وقتًا، كما يقول الحكيم، اسأل في الوقت المناسب، وكن مستعدًا لتقبل الأسباب غير المتوقعة. في كل الحالات لا تنصح بناءً على ما تستنتجه؛ لأن هذا يغيظ الآخر. «لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لأن الخوف له عذاب» (١ يوحنا ٤ : ١٨).. المحبة الكاملة لا تشك في دوافع الآخر عند التعامل معه.. الخوف من أن يكون ما يُظهره بالكلام يناقض ما يضمره في قلبه من أفكار- هذا هو العذاب عينه.

         الحوار.. الحوار.. الحوار هو ما تحتاجه الحياة الأسرية اليوم أكثر من أي وقت مضى. والحوار الذي يحقق التفاهم ويعمق التواصل ليس مجرد مجموعة كلمات.. إنه المحبة مع الاحترام، والتشجيع مع القبول.. إنه الرغبة الصادقة في فهم الآخر، والعزم على كسر العزلة دون إهدار للخصوصية.. إنه المحاولة المستمرة لتحقيق التوازن بين الحياة الخاصة لكل فرد، والحياة الأسرية المشتركة.

         الحوار يعني أن تسمع ضعف ما تتكلم به.. ألا تقاطع بقدر الإمكان، ولا تستخدم ألفاظًا غير لائقة أو جارحة.. الحوار يعني عدم التسرع في إصدار الأحكام، وتبادل وجهات النظر بحرية وبدون خوف.. الحوار بدون انفعال لا ينتهي أبدًا بخصام. في الحوار لا يوجد غالب أو مغلوب، لكن هناك دائمًا حبيب ومحبوب. السر في نجاح الحوار مع شريك حياتك يكمن في أن تتعامل معه كما لو كنت تتعامل مع غريب عنك!

         «لأن الله يعمل فيكم ليجعلكم راغبين وقادرين على إرضائه» (فيلبي ٢ : ١٣ -الترجمة العربية المشتركة).. السؤال هنا كيف يعمل الله فينا فنرغب في وجود تواصل فعال في أسرتنا، ومن أين لنا القدرة لنبدأ هذا التواصل، ونكمل فيه بقية حياتنا؛ حتى نرضي الرب؟ الرسول بولس هو أيضًا الذي يعطينا الإجابة على هذا السؤال في الإصحاح الأول من رسالة أفسس: «أطلب من إله ربنا يسوع المسيح... أن يهب لكم روح حكمة… وأن يُنير بصائر قلوبكم لتدركوا إلى أي رجاء دعاكم… وأي قوة عظيمة فائقة تعمل لأجلنا (فينا) نحن المؤمنين، وهي قدرة الله الجبارة التي أظهرها في المسيح حين أقامه من بين الأموات، وأجلسه إلى يمينه في السموات».. هذه هي روح الخماسين المقدسة التي يمكن أن تأخذ علاقتنا الأسرية إلى بعد جديد.


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٦ مايو/ أيار ٢٠١٨)

Copyright © 2018 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.