Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

بقلم: سامي يعقوب

للمزيد من هذه السلسلة:

في مدرسة الزواج ١         في مدرسة الزواج ٢       في مدرسة الزواج ٣      في مدرسة الزواج ٤

في مدرسة الزواج ٥         في مدرسة الزواج ٦         في مدرسة الزواج ٧


      أثارني الخبر المنشور في جريدة المصري اليوم (عدد الخميس ٢٩ /٩)، نقلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن عام ٢٠١٥ شهد أعلى معدلات الطلاق خلال العشرين سنة الأخيرة، وكيف أن ظاهرة الطلاق قد ازدادت بنسبة ٥٠٪ في الفترة من ١٩٩٦ حتى ٢٠٠٨، واعتبارًا من عام ٢٠١٠ تضاعف تقريبًا معدل الطلاق، وكانت نسبته أعلى في الحضر عما هي عليه في الريف! وقد قادني هذا الخبر المزعج للحوار مع عائلتي وأصدقائي عن الأسباب، مع إقرارنا بأن أبناء الكنيسة، كجزء من المجتمع، غير مستثنيين من ظاهرة تزايد نسبة الطلاق في بلادنا.

 

      لعل تضاعف معدل الطلاق بصفة عامة، وتزايده بنسبة أعلى في الحضر عن الريف، بالرغم من توافر فرص المعرفة والمشورة الأسرية أكثر من أي وقت مضى، له علاقة مباشرة بالمفهوم الذي يسود العالم اليوم عن «حرية الفرد». فالعالم يصف هذه الحرية بالحق المطلق للإنسان، والمصدر النهائي الذي يحدد علاقته مع الآخرين، بغض النظر عن الثوابت الدينية والأخلاقية التي كانت تحكم العلاقات في الماضي! وبدون أن ندري، روجت الميديا لهذا الفكر بطرق مباشرة وغير مباشرة، سواء من خلال «الدش» الذي كثيرًا ما يلقي في صندوق العقول بنفايات الثقافات المختلفة، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي أعطت كل مَنْ هب ودب منبرًا وميكروفونًا بدون جمهور، ليعبر بحرية عما يفكر به في كل شيء، وبأي كلمات وعبارات بلا أي ضابط أو مساءلة.. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تعمقت الفردية في المجتمعات بشكل غير مسبوق، وأصبحت قيم التواصل وقبول الآخر نسبية تحكمها الأنانية؛ فارتبطت السعادة باللذة والمنفعة الشخصية، والأخذ بدون اعتبار لضرورة العطاء.

 

      في مقابل هذه الرؤية العالمية تعطينا كلمة اللـه مقياسًا مختلفًا تمامًا.. فالنموذج الكتابي للعلاقة بين الزوجين لا يترك مجالاً للفردية التي تقود الشخص للانعزال عن شريك حياته، أو تجعله يشعر بالتفوق والتعالي عليه. يخاطب الرسول بولس المؤمنين: «أناشدكم أيها الأخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تكونوا جميعًا متفقين في الرأي وأن لا يكون بينكم خلاف، بل كونوا على وفاق تام، لكم روح واحد وفكر واحد» (١ كورنثوس ١: ١٠ الترجمة العربية المشتركة). هنا بيت القصيد في العلاقة مع الآخر.. التوافق من أجل الوصول إلى الروح والفكر الواحد اللذين يضمنان دوام الزواج!

 

      «التوافق» في الحياة الزوجية لا يقصد به التطابق في الآراء ووجهات النظر.. ولا يعني تماثل الرغبات والميول، أو أسلوب التجاوب العاطفي مع المؤثرات الخارجية. لكنه يعني مرونة التكيف بنضج مع متطلبات الحياة الجديدة، والاقتراب بالتفاهم من الآخر بالرغم من الاختلافات بين شريكي الحياة. التخلي عن الفردية لا يعني أن يفقد الواحد شخصيته أو تميزه، بل التركيز على بناء العلاقة مع الآخر بتفهم لحقيقة هذه الاختلافات، وبالحوار المستمر حول مواضع الخلاف مع رفض منظومة الغالب والمغلوب في النقاش. التخلي عن الفردية يعني أيضًا أن نجعل اختلاف الشخصية والقدرات يعمل معنا لا ضدنا. التوافق مهارة حياتية تُكتسب بالمعرفة ومحاولة التعرف على الآخر في إطار العهد بأن نبقى معًا في توحد حتى يفرق الموت بيننا. قبل الزواج يكون الحلم: "بيتي هو أي مكان سأتواجد فيه مع شريك العمر!" وبعد الانتقال للعيش معًا تحت سقف واحد يفرض الواقع نفسه فيصبح: "بيتي هو المكان الذي أشعر فيه بالتوافق مع زوجي أو زوجتي!"

 

      التوافق عند الإنسان يعني ترويض الطبائع والسلوكيات فلا تسيئ للآخرين أو تجرحهم.. في علم الجبر والإحصاء، التوافق هو التقاء شيئين متحركين ثم سيرهما معًا.. وفي الطبيعة والفيزياء، يعني تفاعل عاملين أو قوتين حتى يصبح مجموع التّأثير الكلّي أعظم من تأثيرهما منفردين.. أما التوافق في الموسيقى فهو تكامل العلاقة بين النوتات الموسيقية التي تعزفها آلتان مختلفتان، أو أكثر، فينتج عن العزف المشترك لحنًا واحدًا رائعًا. تُرى هل نفهم ما يعنيه التوافق في الحياة الزوجية مما وضعه الله في الحياة من حولنا؟

 وداعا للصداع

      التوافق هو التعبير العملي عن المحبة.. والمحبة التي أتكلم عنها هنا هي التي يصفها الرسول بولس في رسالة كورنثوس الأولى أصحاح ١٣.. ألا تفقد صبرك بسرعة، وأن تنتهز كل فرصة لتكون إيجابيًا.. ألا تسمح للغيرة أن تحرك دوافعك، وألا تتوتر أو تنفعل عندما تشارك برأيك ولا يكون مقنعًا للآخر.. ألا تبالغ في أحاديثك لتكتسب أهمية شخصية، أو لتحقق رغبة أنانية. المحبة لا تأخذ الأمور بحساسية، ولا تخزن الإساءات.. لا تشمت في الآخر عندما يصيبه سوء، وتسعد بظهور الحقيقة.. المحبة لا تعرف حدودًا للتحمل، ولا نهاية لثقتها في الآخر.. المحبة لا يتلاشى معها الأمل، وتصمد في مواجهة كل الظروف. في الواقع، المحبة هي الشيء الوحيد الذي يبقى معنا حتى عندما ينتهي كل شيء آخر في الحياة؛ لأن المحبة تدوم إلى الأبد.

 

      لا أعلم إن كان هذا الحديث يخاطبك شخصيًا أم لا.. إن لم يكن كذلك فلتأخذه على أية حال لأبنائك المتزوجين حديثًا أو من زمن؛ لعلك تقدم لهم استنارة لعلاقة أفضل مع شريك حياتهم؛ فيفتح الواحد منهم قلبه بالتوافق لزوجته أو زوجها، ليمتلئ البيت بطاقة متجددة لا تنضب للمحبة المتبادلة، وبالحوار الفعال الذي يحقق الانسجام والتآلف، ويجعلهما يشعران بالكفاية والشبع اللذين يضمنان دوام زواجهما.. ويتواصل الحديث في المرات القادمة.


 (نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٩ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٦)

Copyright © 2016 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.