Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

     بقلم: سامي يعقوب

     للمزيد من هذه السلسلة:

         في مدرسة الزواج ١           في مدرسة الزواج ٢        في مدرسة الزواج ٣       في مدرسة الزواج ٤

          في مدرسة الزواج ٥        في مدرسة الزواج ٦        في مدرسة الزواج ٧


في الزواج، كل زواج، هناك كلمات «سحرية» تضخ طاقة إيجابية في شرايين العلاقة فتغمرها السعادة المتجددة؛ وكلمات «جارحة» تهدم معنويات شريك الحياة، وتخلق في أعماقه شعورًا بالمرارة يحبطه، وحتى وإن بدا أنه قد اعتاد سماعها، إلا أنها تُفقد العلاقة دفئها، ويصبح شعار الحياة غير المعلن: ”أهي عيشة وخلاص!“

 

      من الطبيعي بعد فترة من معيشة الزوجين معًا أن يشعرا بالراحة كل منهما تجاه الآخر.. لكن أحيانًا تتحول هذه الراحة إلى عدم احترام عندما لا يهتم الواحد منا بما يخرج من فمه! «هناك مَنْ كلامه كطعن الحربة، أما كلام الحكيم ففيه شفاء» (أمثال ١٢ : ١٨ الترجمة العربية المشتركة). لكن التوحد مع شريك الحياة لا يعني أن يغيب الاحترام المتبادل عند حديثهما معًا.

 

      من خبرتي الشخصية تعلمت أن الكلمات التي تخرج من فمي لها قوة.. يمكنها أن تجرح أو تشفي، أن تهدم أو تبني.. أن تهز الثقة أو تشجع. الحديث باحترام مع شريكة حياتي، وعند التحدث عنها مع الآخرين، كان من أكبر التحديات التي تعاملت معها منذ بداية زواجنا.. كيف أختار كلمات تعبر عن تقديري لها، وليس التي تقلل من شأنها.. كلمات تؤكد احترامي لحكمها على الأمور، وقدراتها على اتخاذ القرارات الصحيحة وتحمل المسؤولية، وليس التي تسخر منها. تعلَّمنا كيف نضحك معًا لا أن نضحك على بعض؛ أن نبكي معًا، لا أن أُبكيها بما أنطق به في وقت الغضب أو القلق! وبالرغم من زحمة الحياة، وكثرة المشغوليات، فإن احتياجنا كزوجين للتعبير بصدق عن تقديرنا لبعضنا البعض لم يقل مع مرور السنين وتقدمنا في العمر.

 

      نحن كثيرًا ما نخلط بين الحب والتقدير.. الحب بدون تقدير يشبه العزف على آلة من وتر واحد، لا يمكن أن ينتج عنه لحن متكامل التناغم. الحب بين الزوجين يُعبَّر عنه بالتضحية، والإخلاص، والخدمة، وإنكار الذات.. وهذه كلها عناصر لا يمكن الاستغناء عنها لكي يدوم زواجنا. أما التقدير فيضيف بُعدًا مبهجًا للحب، وعشق المحبوب. الحب هو جوهر العلاقة الزوجية، والأساس الروحي لكل زواج ناجح، والتقدير هو النعمة التي تفيض في العلاقة فتجعل الزواج ممتعًا للزوجين، وشيئًا جميلاً يراه الناس فيهما. في قراءة لوصف الرسول بولس للحب في أنشودته عنه (كورنثوس الأولى ١٣)، مقارنة بكلمات التقدير التي وصف بها الحبيب عروسه في سفر نشيد الأنشاد، وجدت بعضًا من المقابلات التي تُظهر المعنى العملي لكل منهما.

 

      الحب هو الكرم وتفضيل الآخر على النفس؛ فالمحبة «تتأنى وترفق».. التقدير هو الإعجاب بالآخر: «ما أجمل حبك يا عروستي». الحب يتفهم بهدوء؛ لأن «المحبة لا تحتد، ولا تظن السوء».. التقدير هو الافتخار بشريك الحياة أمام الآخرين: «حبيبي لا عيب فيه، علَم بين الناس». الحب هو التفكير في الآخر بإنكار للذات: «المحبة لا تطلب ما لنفسها».. التقدير هو تمييز وجه الجمال في المحبوب: «أريني وجهك، أسمعيني صوتك». الحب يستوعب: «المحبة تحتمل كل شيء».. التقدير يرى الاختلاف في الآخر ويسعد به: «ها أنت جميلة يا حبيبتي». الحب التزام عاطفي لا ينقطع: «المحبة لا تسقط أبدًا».. التقدير هو السرور المصاحب للمشاعر الصادقة: «عبيرك طيب الرائحة، واسمك عطر مُراق».

 

      لا أحد يحب أن يُعامل كأنه أمر مفروغ منه.. وقد جربت الفشل عندما تعاملت مع بعض العاملين معي على سبيل الضمان، أو لظني أنهم مضطرون للبقاء معنا لعدم وجود فرصة بديلة لديهم. واختبرت النجاح عندما استطعت أن أُعبر لهم بصدق عن تقديري لمهاراتهم وإخلاصهم، وسروري أنهم جزء من فريق العمل معي. والأمر لا يختلف عن ذلك في العلاقة مع شريك الحياة.. فأنا لا أريد أن تظن زوجتي أننا نعيش معًا لمجرد الالتزام بعهد الزواج، بل أريدها أن تشعر بتقديري لها كشريك الحياة الأنسب لي، والذي لا ينافس مكانتها أحد في قلبي، ولا أريد أن أكون مع أحد سواها.. وأن وجودنا معًا، توحدي مع أفكارها ومشاعرها، هو أكثر ما يسعدني في هذه الحياة. وأنا أعبر لها عن هذا التقدير بصدق القلب، وليس على سبيل «فك المواقف»!

 

      بالنسبة للبعض أصبحت الكلمات الجارحة قاعدة في تعاملهم مع أزواجهم أو زوجاتهم.. على سبيل المثال لا الحصر، فكرت في العبارات التي تقال، ولو بدون قصد، أو على سبيل المزاح، لكنها تنطوي على نقد يخدش المشاعر في بدايته، وتجرح بعمق مع تكرارها في المواقف المختلفة، ثم تهدم الزواج، ولو استمرت الحياة تحت سقف واحد:

      «إنت كده دايمًا، أو عمرِك ما ها تتغيري».. كلمات محبطة تبعث على اليأس. « ليه مش إنت إللي تتنازل عن رأيك، أو ماكنش لازم تردي بالشكل ده».. عبارات مملوءة بالكبرياء والتعالي تُشعر الآخر بالدونية. «إنت كل البياعين بيستنوك علشان يدوك البضاعة إللي مش ماشية عندهم، أو إنتي عمرك ما بتعجبك أي حاجة باجيبها».. تصريحات عجيبة تستهين بقدر الآخر على التمييز. «لو فعلت كذا أو كذا ها يكون نهاية علاقتنا، أو إشارتِك خضرا على بيت أهلك».. تهديد غير جاد لا يوتر العلاقة مع شريك الحياة فقط، بل ويملأ قلب الأبناء بالخوف والقلق! «ماما كان عندها حق ف اللي قالته عنك».. هذا بالضبط فن صنع الأعداء. «أنا قلتلك الكلام ده مية مرة، أو بطلي فتاوي، أو إيه الغباء ده».. مسامير تُدق في نعش الاحترام المتبادل. «الله يسامحك».. دعوة ظاهرها التقوى وباطنها طلب الانتقام الإلهي!!

 

      كلنا جُرحت مشاعرنا مرة أو أكثر بكلمات آذتنا، وجربنا الألم الذي تسببه التعليقات التي تسخر منا، وتحط من قدرنا، حتى تلك التي تقال بدون قصد.. فلماذا نسمح لمثل هذه الكلمات والعبارات أن تخرج من أفواهنا فتجرح أكثر مَنْ نحب.. زوجتي أو زوجي؟ لا عجب أن يقول الرسول يعقوب: « إذا كان أحد لا يُخطئ في كلامه، فهو كامل، قدير على ضبط جسده كله… ما أصغر النار التي تحرق غابة كبيرة (أو أسرة سعيدة)! اللسان نار… فمن فم واحد تخرج البركة واللعنة، وهذا لا يجب أن يكون يا إخوتي» (يعقوب ٣).. وإلى بقية أحاديث مدرسة الزواج في المرات القادمة.


 (نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٢٦ فبراير/ شباط ٢٠١٧)

Copyright © 2017 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.