أسطورة الأُمّ المثالية

بقلم: جولي سلاتري

الأمّ الخارقة، بصورتها المثالية الكاملة، هي أسطورة خرافية بكل معنى الكلمة!
لكن أن تكوني جيدة بما يكفي، في نظر الله، هو أمر حقيقي.


في مجال التربية، يُعدّ مصطلح “الأم المثالية” من المصطلحات التي يتردد صداها كثيرًا وعاليًا. ومع ذلك، عندما نفحص هذا المصطلح بشكل دقيق، يبدأ معناه في التلاشي. إن نموذج الأم المثالية يتشكّل من مزيجٍ معقّد من الخبرات الفردية، والتأثيرات الثقافية، والقيم الشخصية. وفكرة الأم المثالية مشبعة بتوقعات غير واقعية، تضع معيارًا يكاد يكون مستحيل التحقيق.

 

التصالح مع واقع الأمومة

توسّل إليّ ابني أندرو أن أرافقه في يوم رحلته المدرسية، وأقود سيارتي، حتى يمكن أن نصطحب أصدقاءه معنا. ووجدت أنه بإمكاني أن أعمل لنصف يوم، مما يسمح لي بالانضمام إلى ابني في المدرسة. كما ستكون فرصة من إحدى الفرص القليلة التي يمكنني فيها أن أشعر بأنني “أم خارقة.”

لكن، لسوء الحظ، عندما وصلت إلى مدرسة أندرو، أبلغوني لسبب يتعلق بشركة التأمين أنه لن يمكنني أن أقوم بتوصيل ابني وأصدقائه خلال الرحلة.. وهكذا، بدلًا من أن أقود جميع أصدقاء أندرو إلى متحف التعدين، قدتُ ابنًا واحدًا محبطًا.
وبدأ اليوم، ولما انتهت جولة المتحف، اجتمع الأطفال في غرفة مظلمة لمشاهدة فيلمٍ وثائقي يحكي عن أرواح الناس الذين ماتوا أثناء عملهم في التعدين. وفي مرحلة ما أثناء الفيلم، لحق بي إرهاق اليوم الطويل، فغفوتُ قليلًا.
ويبدو أنني رأيت حلمًا طريفًا، فبدأت أضحك بصوتٍ عالٍ بينما كنتُ نائمة.. فدفعني أندرو برفق، واستيقظتُ على نظرته المذعورة.. كان يُحدّق بي نحو مئتين من الآباء، والمعلمين، وتلاميذ الصف الرابع.

في لحظات مثل هذه، أصبح مدركةً تمامًا لمدى عدم كفاءتي كأم.. فحتى أفضل محاولاتي تبدو كأنها غير كافية أبدًا. ومع ذلك، ومن خلال ضباب الشك في النفس، كثيرًا ما أعود إلى مفهومٍ ثمين تعلمته في دراساتي: “الأم الجيدة بما يكفي”. فإذا كان الكمال بعيد المنال، فما هي إذًا الأساسيات التي يريدها الله مني كأم؟ ماذا يعني أن تكوني جيدة بما فيه الكفاية في نظره؟

 

تفسير الله للأم “الجيدة بما فيه الكفاية” مقابل الأم المثالية

خلافًا لتوقعات المجتمع، أعتقد أن تعريف الله للأم “الجيدة بما يكفي” يقوم على مبدأين أساسيين:

– هل أسعى نحو الحكمة..
يقدّم سفر الأمثال ١٤: ١ مبدأً إرشاديًا: «حِكْمَةُ الْمَرْأَةِ تَبْنِي بَيْتَهَا، وَالْحَمَاقَةُ تَهْدِمُهُ بِيَدِهَا.» يا صديقتي، دون أن نطلب باستمرار من الرب حكمته، ستقومين أنتِ وأنا، من حيث لا نشعر، بهدم البيوت ذاتها التي نحاول أن نبنيها. إن حكمته تمنحنا البصيرة، والنعمة، والمثابرة لنمارس الأمومة على نحوٍ جيد.

– هل أحب أولادي..
الكتاب المقدس كتابٌ كبير، مع الكثير من التعليمات المُعقّدة، لكن الرب يسوع بسّط الأمر كثيرًا عندما قال إن شريعته كلها يمكن تلخيصها في محبة الله ومحبة الآخرين (متى ٢٢: ٣٦–٤٠). إن محبته المُعبَّر عنها من خلالي ستغطي كثيرًا من أخطاء التربية.

 

الأم المثالية: تجسيد حكمة الله ومحبته

إن تجسيد حكمة الله يبدأ من السعي نحوها بشدة، وبصورة متكررة. وهذا يعني الاعتراف بضعفاتنا، وطلب إرشاده في مواجهة عدم اليقين، والاعتماد على حكمته لاتخاذ قرارات سليمة في تربية أطفالنا وتوجيههم. ويعني أيضًا الثقة في حكمته أكثر من حكمتنا نحن، والثقة بأن خططه لأطفالنا أفضل بكثير من أي شيء يمكننا نحن أن نتصوره بأنفسنا.

أمّا إظهار محبة الله، فيتطلّب من جهة أخرى أن تتجسد صفات تلك المحبة: الصبر، واللطف، والحماية، والثقة، والرجاء، والمثابرة (١كورنثوس ١٣: ٤–٧). وينبغي أن تكون محبتنا لأطفالنا انعكاسًا لمحبته هو لنا، محبة ثابتة، غير مشروطة، وغافرة. إنها محبة تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء، وتصدق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء.

 

إعادة تقييم الكمال في الأمومة

إن السعي إلى أن تكوني أمًا جيدة بما يكفي لا ينبغي أن يُفهَم على أنه قبول بالمتوسط أو العادي، بل هو اعتراف متواضع بمحدوديتنا البشرية.
إن هذا المفهوم المُعاد تعريفه للكمال ليس خفضًا للمعايير، بل تحوّلًا في المنظور. إنه اعتراف بأن الأم المثالية ليست هي التي لا تخطئ أبدًا، بل هي التي تحب بعمق، وتسعى للحكمة باستمرار، وتتقبّل نقائصها.

إن السعي إلى أن أكون أمًا جيدة بما يكفي ليس محاولة التكيف مع الظروف، بل هو اعتراف بأنني لا أستطيع أن أكون الله، الكافي في ذاته، والكلي المعرفة، والحاضر في كل مكان، لأطفالي. ففي محاولتي أن أكون أمًا خارقة، أنسى أحيانًا أن الرب لم يدعُني إلى أن أكون كاملة، بل إلى أن أسلك بكل أمانة في الحكمة، والمحبة، والتواضع.

وإذا كان ما أفعله جيدًا بما يكفي بالنسبة له، فهو جيد بما يكفي بالنسبة لي.


[1]  وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَامُوسِيٌّ، لِيُجَرِّبَهُ قَائِلًا: «يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ ٱلْعُظْمَى فِي ٱلنَّامُوسِ؟». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هَذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلْأُولَى وَٱلْعُظْمَى. وَٱلثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ ٱلْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ ٱلنَّامُوسُ كُلُّهُ وَٱلْأَنْبِيَاءُ».

[2] ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ. ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ، وَلَا تَنْتَفِخُ، وَلَا تُقَبِّحُ، وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلَا تَحْتَدُّ، وَلَا تَظُنُّ ٱلسُّؤَ، وَلَا تَفْرَحُ بِٱلْإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِٱلْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.


© 2011, 2023 Focus on the Family. Used with permission. Originally published at FocusOnTheFamily.com,