Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 في مدرسة تربية الابناء ٢ inside

 

بقلم: سامي يعقوب

  للمزيد من هذه السلسلة:

                   في مدرسة تربية الأبناء ١          في مدرسة تربية الأبناء ٢           في مدرسة تربية الأبناء ٣

      

العلاقة الإيجابية بين الوالدين والأبناء لا تحدث عن طريق الصدفة، لكنها تحتاج للمعرفة والعمل الكثير، وهذا يعني أن وجود الثقة والاحترام في الأسرة لابد أن يكون هدفًا يحتاج لبذل الجهد الواعي للوصول إليه، والملاحظة المستمرة لما يمكن أن يهدد توفرهما لتلافيه، أو ما يؤكدهما لنطوره وننميه؛ حتى يكبر أبناؤنا أصحاء نفسيًا واجتماعيًا.

       لعل تطوير الثقة المتبادلة بين الآباء والأبناء، وكذلك زرع الثقة بالنفس فيهم، من الممارسات الممتعة في رحلة التربية. لكني وجدت أن تعليم الأبناء كيف يحترمون أنفسهم، وكيف يتعاملون مع الآخرين باحترام من الأمور التي تحتاج لتركيز وجهد أكبر. وربما السبب في ذلك أننا عادة نميل للتعامل مع الغرباء بقدر من التقدير والاحترام نفتقدهما عند تعاملنا مع الذين نعيش معهم في بيت واحد.

       في البداية أريد أن أشير إلى أن المقصود بالاحترام هنا هو مشاعر الإعجاب والتقدير التي يحملها الأبناء تجاه والديهم؛ وإدراك الأبوين لقيمة عطية الأبناء فيقدرون إنسانيتهم وتفردهم، ويقبلون ضعفاتهم بقدر فرحهم بقوة شخصياتهم ومواهبهم. الخوف من الوالدين لا يعني الاحترام؛ لأن الخوف عدو يفسد العلاقة بين الآباء والأبناء. الأفضل أن يحترمك الابن لأنه يحبك، وتحترمك الابنة لأنها تشعر بالطمأنينة بجوارك، وليس خوفًا منك.

       قد نشعر أحيانًا أن أبناءنا لا يحترموننا بالقدر الكافي بالرغم من كل ما نفعله من أجلهم! فنراهم مرة يتجاهلون ما نقوله لهم، أو يردون علينا بأسلوب غير مقبول، بل قد نفاجأ بأنهم يطلبون منا أن نكف عن إزعاجهم! واليوم عندما أنظر للوراء لأراجع ما تعلمته عن كيفية التعامل مع مثل هذه السلوكيات، وكيف شجعنا كوالدين ابنينا على التعامل باحترام معنا، ومع مَنْ يتعاملون معهم في حياتهم اليومية، نرى أن ما يلخص تنمية السلوك باحترام لدى الأبناء يبدأ أولاً بمعاملتهم باحترام.

       (١) احترمهم قبل أن تطلب منهم الاحترام. الأبناء يتعلمون من حياة وسلوك الوالدين أكثر بما لا يقارن مما يتعلمونه من كلماتهم، فهم يراقبون تصرفاتهم ويحاكونها تلقائيًا. كما يرون في الاحترام المتبادل بين والديهما احترامًا منهما لهم، فيتعلمون الاحترام بالمعايشة. احترام الوالدين للأبناء يعني أن يشعروا بالطمأنينة المطلقة بأن البيت هو آخر مكان في كل العالم يمكن أن يُقلل فيه من شأنهم لأي سبب.. في البيت لا يعايَر الأبناء لنقص أو فشل، أو يُنتقدون بقسوة، أو يهددون بالطرد منه والتخلي عنهم مهما كانت الظروف. البيت هو الواحة التي لا بد أن تخلو من الخجل أو إمكانية الشعور بالخزي.

       (٢) ليكن التركيز على العلاقة أكثر من التشدد في تطبيق القواعد.. هذا لا يعني عدم وجود قواعد للسلوك والنظام في البيت، لكن تطبيق القواعد لابد أن يبدأ بالحوار للاتفاق عليها، وشرح الأسباب والنتائج التي يمكن أن تترتب على كسرها عن عمد. هذا النوع من الحوار لا يعني بالطبع أنهم سيضعون أي قواعد يريدونها، لكن الاستماع إلى وجهات نظرهم وأخذها في الاعتبار يُولد فيهم الرغبة في السلوك كما هو متوقع منهم، وسيفعلون ذلك كتعبير عن احترامهم لوالديهم، والرغبة في إرضائهم.

       (٣) التعقل والتجاوب المناسب مع المواقف التي تحتاج لتقويم سيقابل في الأغلب بنفس الأسلوب من الأبناء. نحتاج كوالدين أن نتجاهل الأخطاء البسيطة، وسيدرك الأبناء بذكائهم أن هذا التجاهل لا يعني التساهل، بل يعني بالأحرى تحميلهم مسؤولية التغيير، وتشجيعهم على إصلاح ما أفسدوه. لا تبالغ في ردود أفعالك تجاه السلوك غير المرضي، حتى عندما يغضبك هذا السلوك.

       (٤) لا تتخلَّ كأب عن دورك القيادي في الأسرة.. هناك فرق بين أن تكون قائدًا للأسرة أو عمدة للقبيلة! الأب القائد يُلهم أبناءه أولاً بنموذج الاجتهاد والاستقامة في حياته.. يشجع على اكتساب المعرفة من مصادر أبعد من كتاب المدرسة، ولا يتخذ من الحصول على الدرجة الأعلى في الامتحان مقياسًا للنجاح في الحياة. الأب القائد يوسع بالحوار المتواصل مع أبنائه آفاق عالمهم إلى أبعد الحدود، ويتيح لهم التفكير بحرية لصنع اختياراتهم، متى كان ذلك ممكنًا، ومتفقًا مع القيم الإيمانية والأخلاقية للأسرة.

       الأب القائد يتعامل بجدية مع أحلام الأبناء للمستقبل، ولو بدت غير واقعية في ظل المتاح من إمكانيات حالية.. لا يسحق الابن الذي يسقط جريحًا في معركة ما، لكن يدعمه ليقف على قدميه ليبدأ من جديد في خوض المعارك الأقوى في طريق الحياة.. يتحلى بالتعاطف ويساند بمحبة.. لا يتلمس الأخطاء، ولا يعاير بالفشل.. يستمتع بقضاء وقت من المرح والضحك معهم، ويعطيهم أولوية قبل أي اهتمام آخر لديه؛ عن اقتناع أنهم أفضل عطية، وتربيتهم أعظم استثمار في العمر. هذا هو نوع الاحترام الذي يحتاجه منا أبناؤنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

       (٥) تعامل بهدوء حتى في الوقت الذي ترى فيه أبناءك غير منطقيين.. أعرف أن هذا قد يكون صعبًا، لكن الهدوء يصلح أخطاء عظيمة. تذكر أن الطريقة التي تتصرف بها عندما تكون غاضبًا هي نفس الطريقة التي تتوقعها منهم عندما يكونون هم غاضبين أيضًا. لا تلجأ لاستخدام الألفاظ العنيفة حتى ولو كانوا يستحقونها. لاحظ نبرة صوتك وحدة تعبيراتك عندما توجه لهم لومًا أو نقدًا؛ حتى لا تصيبهم بالاستياء وتحرك روح التمرد داخلهم، والذي يعبرون عنه بالجدل العقيم. ركز على أسلوب التفاهم الذي تنتهجه، عند الحوار عن أمر تختلف فيه وجهات نظركم، أكثر من التركيز على النتيجة النهائية.

       «البنون (صبيان وصبايا) ميراث من الرب، ثمرة البطن ثواب منه» (مزمور ١٢٧: ٣).. مادام الأبناء عطية إلهية، وليسوا ملكية شخصية، إذن فلنحترمهم. الحديث عن الاحترام يطول ليُستكمل بالمزيد من التفاصيل في المرة القادمة.


 

(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٧ يونيو/ ٢٠١٩)

Copyright © 2019 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.

 

 

 

 

 

 

 

قصة الرب يسوع في كل الكتاب المقدس بالطول