Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 في مدرسة تربية الابناء ٥ inside

بقلم: سامي يعقوب

      للمزيد من هذه السلسلة:

                     في مدرسة تربية الأبناء ١         في مدرسة تربية الأبناء ٢       في مدرسة تربية الأبناء ٣

                                  في مدرسة تربية الأبناء ٤                   في مدرسة تربية الأبناء ٥

 

       ما أهمية أن يكون للابن أو الابنة شخصية مستقلة؟ وما الذي يحتاج الوالدان أن يعملاه ليساعدا أبناءهما أن يكونوا أكثر استقلالية؟ كيف نرشدهم، وفي نفس الوقت نعبر لهم عن ثقتنا في قدراتهم بأن نمنحهم حرية صنع اختيارات لحياتهم؟

       الاستقلالية ليست شيئًا يمكن أن يكتسبه الأبناء بأنفسهم؛ فالشخصية المستقلة تعتمد على مقدار الثقة والاحترام اللذين يشعرون بهما في البيت. الأبناء الذين يتعلمون في وقت مبكر من حياتهم ضبط النفس وتحمل المسؤولية تتكون لديهم تدريجيًا المهارات اللازمة للابتكار والتفكير الإبداعي؛ فيكبرون باستعداد لمواجهة تحديات الحياة.. يتأقلمون مع الصعاب، والفشل، والملل، ومثل هذه الأمور التي لا مفر من اختبارها في الحياة.

       (١) الثقة والاحترام من أعظم الهدايا التي يمكن لكل أب وأم أن يقدماها لأبنائهما لينجحوا في الحياة. الأبناء الذين يفتقدون لثقة واحترام والديهم يكونون مترددين في اختياراتهم، ولا يستطيعون أن يغامروا بتجربة أشياء جديدة أو صعبة؛ لأنهم يخشون الفشل، فيخيبون أمل الآخرين فيهم، والنتيجة عدم قدرتهم على تمييز الفرص التي يمكن أن تتاح لمستقبلهم فيما بعد.

       (٢) شارك معهم بخبرات حياتك لتعلمهم دروس الحياة، واسمح لهم أن يسألوك بحرية عن بعض التفاصيل. أجبهم بصدق، ودعهم يضحكون على بعض المواقف التي لم تتصرف فيها بذكاء. احكِ لهم عن المرات التي تصرفت فيها بشكل ندمت عليه، أو قلت شيئًا كنت لا تتمنى أن يخرج من فمك. أنت بطل ابنك وابنتك، على الأقل حتى مرحلة المراهقة؛ فلا تخشَ أن يقللوا من شأنك بسبب إخفاقاتك. إدراكهم أنك إنسان وليس «سوبرمان» سيجعلهم يتعاطفون معك، ويفتح أذهانهم وقلوبهم ليتعلموا من خبراتك. استخدم هذه اللحظات لتعلمهم أهمية التفكير قبل التصرف والتحدث.

       (٣) علمهم أن الفشل ليس شيئًا يُخجل منه، وأن ارتكاب الأخطاء هو بداية التعلم. ربما يمكنك أن توفر لأبنائك كتبًا تحكي لهم قصصًا عن نماذج تاريخية ومعاصرة للنجاح. من الجيد أن يعرفوا أن الذين نجحوا على المستوى الشخصي عالميًا ومحليًا ارتكبوا أخطاءً.. ربما فشلوا مرات، ولكنهم لم يستسلموا. الشخصية المستقلة تفكر في الأسباب، ولا تحبطها النتائج، وتكرر المحاولة حتى تنجح.

       (٤) عندما يشترك ابنك أو ابنتك في مسابقة ما، قدّر ما يبذلونه من جهد بغض النظر عن فوزهم أو خسارتهم. عندما تشيد بجهدهم لن يشعروا أبدًا بحرج إعادة المحاولة. تحدث مع أبنائك عن أهمية الاستمرار في بذل الجهد، وكيف أن المثابرة تُولد فيهم مزيدًا من الثقة في النفس، وتطور كفاءتهم كأشخاص.

       (٥) تعامل مع الأخطاء باعتبارها مكونات أساسية للتعلُّم والنضج. التعلُّم من الأخطاء يبني الثقة، لكن هذا يحدث فقط عندما نتعامل كآباء مع الأخطاء كفرصة للتعلم والنمو. لا تمارس الحماية المفرطة، واسمح لهم باختبار بعض الألم والضيق من حين لآخر، قبل أن تتدخل لتقدم لهم العون.. تقديم المساعدة في وقت مبكر قد يقلل من قدرة الأبناء على تطوير الشخصية المستقلة التي تعتمد على نفسها في التعامل مع الأمور. «جيد للرجل (الابن والابنة) أن يحمل النير (يتحمل الضغوط) في صباه» (مراثي إرميا ٣ : ٢٧).

       (٦) ازرع فيهم حب القراءة مبكرًا.. وربما هذا من أهم ما يمكن أن يقال عن تطوير الشخصية المستقلة. القراءة عادة ومهارة تُنمى لدى الأبناء ولا تظهر لديهم فجأة. لقد فقدنا الإحساس بأهمية وقيمة الكتاب مع اجتياح التكنولوجيا لعالم اليوم، ويبدو أن عادة القراءة بدأت في الانسحاب من عالم الأبناء، وقد تركزت أغلب أحاديثهم عن تطبيقات لعبة رقمية قاموا بتنزيلها من الإنترنت. لكني كأب لم أستسلم لهذا الاجتياح الرقمي للحياة، وحاولت بالحوار والإقناع ألا أسمح لابنيّ أن يهربا من الواقع عن طريق قضاء كل وقتهم على الإنترنت، وانتهزت كل فرصة لأشجعهم على التفاعل مع أناس حقيقيين في العالم الحقيقي. التعامل مع العالم الافتراضي، رغم أهميته، لا يُولد بأية حال نفس الثقة والخبرة في التعامل الفعال مع العالم الحقيقي خارج الإنترنت. لا أدعي أن الطريق كان سهلاً في مقابل ضغط الأقران، لكن النتائج كانت، بنعمة الله، أكثر من مرضية للابنين ولنا كأبوين.

       القراءة من أهم الوسائل التي تكسب أبناءنا معرفة خارج حدود كتاب المدرسة، وتعلمهم مهارات تبقى معهم لبقية العمر، وتطور لديهم حسًّا لغويًا أفضل، أيًا كانت اللغة التي يقرأون بها؛ فيتحدثون ويكتبون بشكل أفضل لأنهم عندما يقرأون يستخدمون الخيال ويتعلمون الكثير من المفردات. القراءة تُحسّن الإبداع.. لقد أثبتت الأبحاث العلمية أن هناك رابطًا قويًا بين القراءة الحرة والتقدم الدراسي. القراءة تفتح أمام أبنائنا آفاقًا غير تقليدية للمستقبل؛ لأنها ترفع من توقعاتهم من أنفسهم.

       قدم لأبنائك كتبًا تناسب أعمارهم.. ابدأ مع الصغار بالقصص الخيالية؛ فهذا النوع من الكتب يمكن أن ينمي خيالهم! ثم انقلهم تدريجيًا لقراءة الكتب الأصعب قليلاً، ومع تقدمهم في السن شجعهم على اقتناء أو استعارة كتب تعلمهم أكثر فنون الحياة. ضع في اعتبارك نوعية اهتماماتهم، وانتقِ الكتب التي تُشبع ميولهم الشخصية. لا تملأ حياة أبنائك بالكتب المدرسية فقط.. فأنا شخصيًا، وقد عانيت الأمرين في أيام دراستي من نظام تعليم عقيم، وجدت بعد زمن أن قراءتي الحرة علّمتني أكثر مما تعلمته في المدرسة والجامعة بألف مرة!

      (٧) شجع حب الاستطلاع.. أحيانًا يكون تدفق الأسئلة الذي لا ينتهي من ابن أو ابنة مرهقًا، لكن يجب أن نقبله ونشجعه. إن الأسئلة تمرين مفيد لنمو شخصية الأبناء لأنهم من خلالها يدركون أن هناك أشياء لا يعرفونها، وهناك عوالم من المعرفة غير مرئية لهم بعد. الأبناء الذين يكبرون في أسر تشجع الأسئلة الغريبة لديهم امتياز استيعاب المعلومات من معلمهم في المدرسة ربما أكثر من بقية زملائهم؛ لأنهم مارسوا الحصول على المعلومات من آبائهم في البيت، فيتعلمون بشكل أفضل وأسرع.

       «الابن الحكيم يسر أباه، والابن الجاهل حزن أمه» (أمثال ١٠ : ١).. الحديث عن تربية أبناء يسروننا كآباء وأمهات يطول، ونستكمله في المرات القادمة.


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ١ سبتمبر/ تشرين الاول ٢٠١٩)

 

Copyright © 2019 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.

 

 

 

 

 

 

 

قصة الرب يسوع في كل الكتاب المقدس بالطول