Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

حديث لكل اب ١ 

 

بقلم: سامي يعقوب

 

للمزيد من هذه السلسلة:

حديث لكل أب (١)                                           حديث لكل أب (٢)

     


 

بمناسبة البدء في الاحتفال بعيد الأب في بلادنا، توقفت لأستعيد ببهجة وفخر بعض ذكرياتي عن أبي، الذي سبقنا منذ زمن للقاء الرب. تذكرت هدوء الشخصية الذي تميَّز به، وكل التضحيات الأبوية التي قدمها بلا تردد أو ضجيج، حاملاً بكل رضى عبء تنشئة أسرة من ثمانية أبناء عندما كانت أكبرهم تدرس في الجامعة كان أصغرهم يتحسس خطواته الأولى في روضة المدرسة!  لقد كان أبي رجلاً شجاعًا، مُحبًا، مثالاً لنكران الذات، وقدوة رائعة لنا في كيفية احترام الصغير والكبير، وتقدير الغني كالفقير بلا تمييز! ولكنه، مثل ملايين الآباء الطيبين الذين يعيشون بيننا دون أن نعرف حقيقة قدرهم، أو نلاحظ الفرق الذي يصنعونه في الحياة، كان أبي أحد الأبطال الذين لم يلقوا تقديرًا في حياتهم على المستوى العام، لكنه في نظري بطل يستحق تقديرًا بلا حدود، ولا بد أنه نال إكليل البر الذي يَعد به الله كل الذين يجاهدون، ويتممون سعيهم، ويحافظون على الإيمان.

 

تُرى هل سيكون الاهتمام بعيد الأب بنفس القدر الذي يُعطى دائمًا لعيد الأم؟ هل سيهتم الأبناء بمفاجأة الآباء بهدايا في عيدهم يُعدون لها مُسبقًا كما يفعلون مع أمهاتهم تعبيرًا عن محبتهم وتقديرهم؟ أعترف أني أحد الآباء الذين لم تصلهم تهنئة أو هدية في «عيد الأب» هذا العام! على أية حال، هذه بداية لفكرة أرجو ألا يفتر الحماس لها، وأن تأخذ قدرًا أكبر من الاهتمام في الأعوام القادمة.

 

في الكتاب المقدس نجد العديد من الأمثلة لآباء أتقياء يمكن أن نتعلَّم منهم كيف نعيش ونسلك كآباء اليوم.. وبلا شك أحد هؤلاء هو يشوع. في دراستي لسفره وجدته يقدم مثالاً للأبوة لكل أب يريد -مثله- أن يتمم قصد الله في حياته، وحياة أسرته. كان عمر يشوع ١١٠ سنة عندما دعا قادة إسرائيل إلى شكيم لإلقاء خطاب الوداع. وهناك وضع أمامهم التحدي أن يطيعوا الرب، وحذرهم من خطورة الارتداد عن الإيمان بالله قائلاً: «اختاروا لكم اليوم مَنْ تعبدون…» (يشوع ٢٤: ١٤- ١٨).

 

لقد تكلَّم يشوع بسلطان من واقع خبرة السنين.. فقد سار مع موسى لمدة أربعين عامًا، وقاد الشعب لدخول كنعان لمدة خمسة وعشرين سنة أخرى، وقد عزَّز نداءه لاتباع الرب بقوة بمثال شخصي، عندما قال: «وأما أنا وبيتي فنعبد الرب.» هناك الكثير الذي يمكن أن يُقال عن يشوع، لكني سأكتفي بالحديث عما شعرت أنه يمس حياتي كابن تمتَّع ببركة أب متميز رأيت فيه الكثير من صفات شخصية يشوع، وكأب اجتهد في تربية ابنين مسترشدًا بما تعلَّمته من هذه الشخصية الكتابية غير العادية. 

    

كان يشوع قائدًا لبيته، وقد اعترف بمسؤوليته عن الحياة الروحية لعائلته، وتكلَّم نيابة عنهم معلنًا عزمهم على تبعية وعبادة الرب. لا يستطيع أي أب أن يقوم بهذه المسؤولية ما لم يكن هو شخصيًا في علاقة وثيقة وحية مع الله. إن الأسرة هي المشتل الأول الذي تُغرس فيه التعاليم الروحية والتربوية في الأبناء.. «لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، قصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك» (تثنية ٦: ٦- ٩). إن رغبة الله هي أن تكون كلمته في مركز حياة الأسرة، ويؤكد الرسول بولس هذه الرغبة في كولوسي ٣: ١٦ «لتحل في قلوبكم كلمة المسيح بكل غناها.»

 

إنها مسؤولية الأب قبل أي شخص آخر أن يتأكد من أن أولاده يرتبطون بالرب بالإيمان الاختباري، ويسلكون في طرقه في حياتهم اليومية. أعظم ميراث يمكن أن ينقله ويتركه الأب لأبنائه هو محبة الله.. والأبناء يفهمون حقيقة محبة الله بشكل أفضل عندما يختبرون هذا الحب عمليًا في علاقتهم مع أبيهم. لكن إذا أردنا كآباء أن نعلم أولادنا عن الحب الإلهي، لا بد أن نقبله نحن أولاً، وإذا أردنا أن ننقله لأولادنا وأحفادنا علينا إدراك أنهم يستوعبونه فيما يرونه فينا، فنستطيع أن نقول مع يشوع: "أما أنا وبيتي فنعرف ونعبد الرب." 

 

الأسرة تسير في الطريق الذي يسلكه الأب. في العادة يحب الصبيان أمهم ولكنهم يتبعون نموذج أبيهم. الأب هو الذي يُثبِّت قيمة المرأة في حياة ابنته؛ لأنه الرجل الأول الذي تراه وتتعامل معه. وعندما تراه يعامل الشخصيات النسائية بالحب والاحترام، فإن هذا يُشكِّل آراءها عن الرجال بطريقة إيجابية، ويُعزز تقديرها لذاتها من خلال إظهار كيف يجب أن يتصرف الرجل المحترم مع المرأة. وبالمثل، فإن احترام الأب للمرأة سيعلم أبناءه الصبيان كيفية معاملة النساء بشكل مناسب. الأب هو الرجل الذي يضع المعايير لما يجب أن يكون عليه سلوك الرجال في كل تعاملاتهم مع الآخرين، سواء في البيت أو المجتمع الخارجي.  

 

قرأت قصة مؤثرة عن خادم متواضع ومكرس، أصيب ابنه بمرض عضال، وبعد سلسلة من الفحوصات صُدم بمعرفة أنه يعاني من مرض يضعه في قطار سريع يأخذه إلى المجد السماوي. كان الأب في حيرة كيف يخبر ابنه الذي في زهرة الشباب أنه سيموت قريبًا.. على ركبتيه طلب معونة الروح القدس، ثم ذهب بقلب مُثقل إلى المستشفى، وجلس إلى جانب سرير ابنه العزيز، وبلطف وهدوء شديدين أخبره أن الأطباء لا يمكنهم أن يَعدوه بالبقاء في هذه الحياة إلا لبضعة أيام أخرى، وبكل تأثر سأله: ”هل أنت خائف من مقابلة يسوع، يا ابني؟“ أجاب الصغير بشجاعة، والدموع تنهمر من عينيه: ”لا؛ مادام هو مثلك يا أبي!“ ست كلمات بسيطة لكنها مذهلة أثارت في داخلي السؤال الصعب: "تُرى هل يرى ابني فيَّ يسوع؟!"

وإلى بقية الحديث في المرة القادمة.


  

(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ٢٧ يونيو/حزيران ٢٠٢١)

Copyright © 2021 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.

 

 

 

 

 

 

 

 

قصة الرب يسوع في كل الكتاب المقدس بالطول