Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

حديث لكل اب ٢

 

بقلم: سامي يعقوب

 

للمزيد من هذه السلسلة:

 

حديث لكل أب (١)                                            حديث لكل أب (٢)

 


     لقد كانت الأبوة من أولى المهام التي أعطاها الله للرجال؛ فمباشرة بعد خلق آدم وحواء، أمرهما الله أن "يثمروا ويكثروا" (تكوين١: ٢٨). لقد كان أحد مقاصده الأساسية للزواج هو ولادة الأبناء. ومع ذلك، فإن دور الأب في توفير الحيوانات المنوية للحمل هو مجرد بداية ما يتوقعه الله من الآباء. فالحيوانات المنوية يمكن أن تصنع طفلاً، ولكن الأمر يتطلب من الرجل الحقيقي أن يكون أبًا لكي يتمم قصد الله من حياته.

 

     يشوع هو أحد أهم النماذج الكتابية لهذا الأمر، وما أفهمه من كلمات إعلانه نيابة عن عائلته أن خطته لهم أن يتبعوا الرب. لقد عبَّرت كلماته عن الوحدة التي تجمع أسرته: «أما أنا وبيتي فنعبد الرب.» وأعتقد أن سبب وجود هذه الوحدة كان شخصيته، وتكريسه للرب، ومثال حياته. لقد كان إيمانه حقيقيًا وأصيلًا، والنتيجة أن عائلته كانت تتفق معه في جوهر ما يقول. لا يوجد تعبير عن وحدة الأسرة وتماسكها أقوى من أن يفي الأب بوعود الزواج التي قطعها لأم أبنائه أمام الرب والشهود في يوم إكليلهما، ويستمر تكريسه للرب وإخلاصه لشريكة حياته في مختلف مراحل العمر، وعبر كل ظروف الحياة. إن إصرار يشوع ومثابرته أن يعبد ويخدم الرب مع أسرته لم يكن اختيارًا، بل ضرورة والتزامًا.. حتى إنه كان على استعداد للوقوف بمفرده مع عائلته إذا لزم الأمر. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي وقف فيها مقابل توجه الأغلبية؛ فقبل ذلك بخمسة وستين عامًا، في قادش برنيع، قدَّم هو وكالب بكل جرأة تقرير الأقلية.. لم يخضع لفكر وتعليلات الأغلبية الذين رأوا أنفسهم كجراد في مواجهة عماليق العالم. مثل هذا الإصرار والتكريس لأب مثل يشوع لا بد أن يُترجم عمليًا إلى حياة تعبدية لعائلة تُخرج عمالقة روحيين.

 

بصفته قائدًا للأسرة، الأب أيضًا رجل صلاة.. يذهب إلى عرش النعمة طالبًا الرحمة والعون اللذين يحتاجهما هو وأسرته، وينتظر الله ليعطيه الحكمة، والشجاعة، والحماية لزوجته وأولاده. هكذا كان يفعل أيوب كل الأيام.. فقد «كان بنوه يذهبون ويقيمون وليمة في بيت كل واحد منهم بدوره… فإذا تمت أيام كل وليمة كان أيوب يُبكر في الغد فيصعد مُحرقات عن كل واحد منهم فيطهرهم، وكان يقول: ” لعل بني خطئوا وجدفوا على الله في قلوبهم.“» (أيوب ١: ٤- ٥).  كان أيوب أبًا يخاف الله، وشديد الاهتمام بالحالة الروحية لأبنائه؛ فكان يراقب تصرفاتهم وأسلوب معيشتهم، ويصلي من أجلهم لكي يظلوا في مأمن من الشر، ويتأكد من إبقائهم بعيدين عن حياة الخطية.

 

       لقد علمني أبي أن أحب الكتاب المقدس باعتباره أعظم كتاب في العالم. كنت أستيقظ كل صباح في بيتنا الصغير لأجده يقرأ كلمة الله بصوت نسمعه إخوتي وأنا ونحن لا نزال في فراشنا. كذلك، كان يصلي وقتًا طويلاً، وغالبا ما كان يصلي لنا بالاسم. وعندما تَقدَّم به العمر، وقلَّت قدرته على السمع، وأصبح يميل إلى الصمت أكثر من المبادرة بالحديث مع الآخرين، اعتدنا أن نراه يرفع يديه في صمت؛ فكنا نعرف أنه يصلي! هذه هي أروع ذكرياتي عن أبي الذي ما زلت أسمع نغمة صوت صلاته تتردد في مسامعي حتى اليوم.. ولأني أعرف أن الصلاة لا زمن لها عند الرب، فبلا شك أن صلاته من أجلنا لا تزال حاضرة أمام الله. ليس هذا فقط، فقد اتبعت مثاله عن حب، وتذكَّرته مجددًا عندما سمعت ابني الصغير يقول ذات مرة: ”أنا كبرت في بيت كنت أخرج من غرفتي كل يوم فأسمع صوت بابا يقرأ الكتاب المقدس مع ماما!“ ميراث حياة انتقل من الأبناء إلى الأحفاد.. ما أسعد الأب والجد الذي يستطيع أن يردد مع الرسول بولس: «اقتدوا بي مثلما أقتدي أنا بالمسيح» (١كورنثوس ١١: ١).

 

     إن تدبير معيشة واحتياجات الأسرة هي مسؤولية مهمة للآباء، بدون الإقلال من قيمة ما تساهم به الكثير من الأمهات في هذه المسؤولية، إلا أن هذه ليست مسؤوليتهم الوحيدة. ففي حين أن الكثير من التعليم اليومي تقوم به الأم، إلا أن الأب لا يزال يتحمل المسؤولية عن صياغة وتشكيل شخصية الأبناء ونمو حياتهم الروحية، وتطوير قيمهم الأخلاقية. فالأب لا يصلي من أجلهم فقط، بل ولا بد أن يصلي معهم، ويناقشهم فيما تُعلِّمه كلمة الله. إنه يشجع الشخصية المسيحية في أبنائه من خلال مثال حياته، وكلماته، والتوقعات السلوكية التي يحددها لهم، وينتظر أن يراها فيهم. من المؤسف أن الكثيرين لا يدركون أن العيون الصغيرة تراقبنا، وتتعلم من مشاهدة سلوكنا، بغض النظر عما نقول إننا نؤمن به. لا شيء يربك الأبناء أكثر من التناقض الذي يرونه في النصيحة "افعل ما أقوله، وليس ما أفعله".

 

تُرى ما معنى الوصية: «أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم لئلا يفشلوا» (كولوسي ٣: ٢١) من منظور تطبيقي معاصر؟ أن يغيظ الآباء أبناءهم يعني: "إنك تتخانق مع أمهم قدامهم، وقدام الناس تتعامل معها بلطف ورقة! تشعر إن أسئلتهم بتخنقك، وإجابتك ما بتتغيرش: 'بطل دوشة'، أو 'مش فاضي لك دلوقتي'! ما تهتمش تعرف مين أصحابهم، وتسيبهم يمشوا مع إللي يختاروهم! عمرك ما تأدبهم على أخطائهم، وتسمح لهم يجربوا كل حاجة علشان يتعلموا! تزن على دماغهم عمال على بطال بخصوص أدائهم وتحصيلهم الدراسي، وتتجاهل مواهبهم وميولهم الطبيعية إللي ممكن تحقق لهم النجاح والإنجاز في مستقبلهم! تعبر عن حبك بالأشياء المادية، وتغطي على مشغوليتك عنهم بأنك تديهم كل إللي عاوزينه! تتجنب تناقشهم عن حقائق الحياة، وتسيبهم يتعلموا عن الجنس من أصحابهم، أو في المدرسة، أو من أشر الكل: 'الميديا الإباحية'! ماتصدقش أي أخبار سلبية ممكن تسمعها عنهم، وكله خبر خير عندك! إنك تطلب من ابنك أو بنتك يقولوا لشخص بيتصل بيك على التليفون إنك مش موجود!" والقائمة طويلة!

 

وللحديث بقية..


 

(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ١١ يوليو/تموز ٢٠٢١)

Copyright © 2021 Focus on the Family Middle East. All rights reserved.

        

 

 

 

 

 

 

 

قصة الرب يسوع في كل الكتاب المقدس بالطول