بقلم: سامي يعقوب

القيامة ليست موسمًا نفرح أثناءه لوقت ثم يمضي فننشغل بأمور أخرى في الحياة ..القيامة هي الرجاء الذي يتجدد مع فجر كل يوم من أيام العمر ..رجاء متى أتحنا أنفسنا له باقترابنا من الكلمة المقدسة فإنه يُشكل أفكارنا، ويُغير دوافعنا وسلوكنا، ويُقوينا لنكمل مسيرة جهادنا مهما صعبت الظروف.

ما حدث مع تلميذين للمسيح في يوم القيامة الأول يُصور ما قد نختبره نحن اليوم عندما نحاول التوفيق بين ما نعرفه عن محبة الله وقدرته، و لماذا يسمح لنا بالحزن والضيق؟! ففي الطريق إلى قرية عمواس ،سار كليوباس ورفيقه مهمومين، وقد أثقل شعورهما بالخسارة والحزن قلبيهما.. (لعل الرفيق كان زوجته التي دعاها البشير يوحنا "مريم زوجة كلوبا".)  لكن بارقة أمل جلبت بعض الحماس إلى حوارهما عن أحداث الأيام الثلاثة الماضية.. فقبل أن يبدءا رحلتهما جاءت بعض النساء بالخبر أنهن وجدن القبرفارغًا، وأن ملاكًا قال لهن: "إنه ليس ههنا، لكنه قام"!

 

لم يكن سهلاً على التلميذين أن يُوفقا بين الأحداث المؤلمة للأيام السابقة واعتقادهما أن يسوع هو المسيَّا الذي كان الشعب ينتظر مجيئه ليخلصهم! كان الوقت لايزال نهارًا، إلا أن الطريق إلى عمواس تحت وطأة الصراع الذي كان يدور بداخلهما بدا مظلمًا، طويلاً، وموحشًا! لكن المسيح المقام لم يتركهما طويلاً يتخبطان في ظلمة أفكارهما ..فجاء وسار بجوارهما، لكنهما لم يعرفاه. أما هو فقد استمع إلى حديثهما، وكان يعرف أن قلبيهما مكسوران بالإحباط والحزن. ثم بدأ يحكي لهما قصة شرح بها ما سبق وأخبر به الأنبياء عنه، وكيف كان لابد للمسيح أن يقاسي الآلام ثم يدخل في مجده. وبالرغم من توبيخه لبطء إيمانهما، إلا أنهما أصغيا إليه. ولما اقتربوا من عمواس تظاهر أنه ذاهب إلى مكان أبعد، فتمسكا به ليدخل إلى بيتهما لأن النهار كان قد مال والليل اقترب، فقبل يسوع دعوتهما. ولما جلسوا للعشاء أخذ الرب خبزًا وبارك وكسره وناولهما؛ فانفتحت أعينهما وعرفاه، لكنه اختفى عن أنظارهما.. وفي الحال تحول حزنهما إلى فرح، ويأسهما تبدل إلى رجاء؛ وتجددت القوة فيهما فقاما ورجعا إلى أورشليم. تُرى لماذا أُمسكت أعين التلميذين عن معرفة الرب؟ ألم يكن من المريح أن يعلن نفسه لهما عند بداية المشوار فيجنبهما عناء الطريق؟ سؤالان ملئا غرفة المعيشة في بيتي بنقاش شيق، عندما اقتربت مع أسرتي من كلمة الله في قراءات وحوارات ما بعد القيامة. ولأن البشير لوقا لم يخبرنا بالإجابة فيما كتبه عن هذا الحدث في إنجيله (أصحاح ٢٤ ) وجدنا متعة في محاولة الإجابة عليهما بأنفسنا.

 

من الواضح أن الرب يسوع أراد بما شرحه للتلميذين أن يضع قصتهما في إطار أكبر من حدود ما كانا يجتازانه من ظروف صعبة.. فقد كانت قصتهما تركز على الأحداث الرهيبة التي عايشاها ،أما قصته هو فقد أعلنت أن كل ما حدث يتفق تمامًا مع القصد الإلهي الأعظم لخلاص البشر! وهكذا نقلهما السيد المسيح بالكلمة المكتوبة خارج نطاق الفكر الضيق، ومشاعر القلب المضطرب بسبب ضعف الإيمان! في الطريق.. نحن أيضًا بحاجة لصحبة هذا الرفيق الإلهي لينتشلنا من غيبوبة الجهل إذا أصابتنا، ويُخرجنا من مصيدة اليأس إذا أطبقت على صدورنا؛ حتى نرى الأذرع الأبدية تحتضنا في وقت الأزمة، وحتى يُنير بكلمته عقولنا فتُفتح أعيننا بالمعرفة فنراه يمشي معنا في الطريق.

اقترابنا من الكلمة المكتوبة يربط قصة حياتنا بالكلمة المتجسد.. وفهمنا لها يأخذنا إلى ما وراء أسوار الخوف والشك التي أقامتها ظروف الوطن المضطربة من حولنا، فحجبتنا عن الحق. إن جهلنا بالكلمة يعني أن نظل صغارًا في أعين أنفسنا، مُقيدين بالشكوى والتذمر من ضيق الأحوال؛ أما ارتباطنا اليومي بها كأسرة يعطي لحياتنا معنى مختلفًا. الكلمة المقدسة تلهب قلوبنا بالرجاء، وتجدد فينا العزيمة أن نعيش إرادة الله لحياتنا مهما كلفنا الأمر.. فكما أعدت الكلمة تلميذي عمواس لكي تنفتح أعينهما فيعرفان من الذي كان يرافقهما في طريق معاناتهما، هكذا يمكن للكلمة المقدسة أن تقودنا لنختبر بوضوح حضور الرب المقام فتتغير حياتنا بثورية، وإن بقي ما يحيط بنا من ضغوط أو ألم كما هو!

ربما كان الأمر يبدو أكثر إثارة لو أن الرب أعلن حضوره لتلميذيه المحبطين عند بداية الطريق.. لكني أظن أن حرارة الغيرة الروحية التي يفجرها اختبار عاطفي تخبو عادة بعد قليل، لكن عندما تنفتح أعيننا فنعرفه من واقع فهمنا للكلمة المكتوبة؛ فهذا يثبت إيماننا، ويحقق عمليًا وعد ما بعد القيامة: "وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر"!

عندما تضيق الحياة بنا لنعلم أن هناك رفيقًا يسير معنا في الطريق، حتى وإن لم نميز حضوره بوضوح. فقط علينا أن ندرب أنفسنا على التعبير له عما يحزننا أو يقلقنا.. ولنتمسك به ليدخل إلينا، فهو يقف على الباب ويقرع ؛مَنْ يسمع صوته، ويفتح باب بيته وقلبه له، يدخل إلى حياته، ويتمتع بشركة معيته (رؤيا ٢٠: ٣).

إخرستوس آنستي .. آليثوس آنستي!


 (نُشر بجريدة وطني بتاريخ ١٢مايو/ أيار ٢٠١٣) 

Copyright © 2013 Focus on the Family Middle East. All rights reserved