الفرق بين الاكتئاب والتقلبات المزاجية عند المراهقين

بقلم: جون ثورمان

إن فهم الفرق بين التقلبات المزاجية الطبيعية والاكتئاب جزء هام من التربية.

كأب أو كأم، قد يكون من الصعب عليك أن تدرك الفرق بين التقلبات المزاجية الطبيعية والاكتئاب عند ابنك/ ابنتك المراهق. مما يؤسف له أن معدلات الاكتئاب والقلق أصبحت آخذة في الارتفاع على مستوى العالم بعد جائحة كورونا. كانت ولا تزال عقول المراهقين تشتاق إلى الإثارة، ودائمًا ما تكون ردود أفعالهم العاطفية مُلحة، وتستنفذ قواهم في بعض الأحيان. إن تنمية المتانة النفسية والمرونة في نفوس أبنائنا هي واحدة من مهامنا ككبار راشدين مسؤولين عن توفير الرعاية لهم.

 

بعض الأسباب المحتملة لاكتئاب المراهقين

هناك أمور كثيرة قد تساهم في إصابة المراهقين بالاكتئاب. على سبيل المثال، قد يشعر المراهقون بالفشل وانعدام القيمة بسبب مستواهم الدراسي، أو علاقاتهم المتوترة مع أقرانهم. الكثير من المراهقين يتعرضون للاكتئاب بينما تتشكل أجسادهم وتتحوّل من أجساد صبيان وفتيات إلى أجساد شباب وشابات.

خلال هذا الوقت، بعض عوامل الخطر قد تتضمن الاضطرابات الحادثة في العائلة مثل الخلافات، والإدمانات، والانفصال، أو وفاة أحد أفراد العائلة. أيضًا العديد من المشكلات الصحية قد تساهم في حدوث الاكتئاب، بما في ذلك الأمراض المزمنة مثل السكري، وأمراض القلب، والسرطان، والتاريخ العائلي من اضطرابات الصحة النفسية. فضلاً عن ذلك، فإن المراهقين الذين تم تشخيصهم بصعوبات في التعلُّم أو اضطراب فرط الحركة (ADHD) هم عرضة أكثر من غيرهم للإصابة بالاكتئاب.

غير أن أحد أهم العوامل التي تساهم في ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب يتعلق بالتكنولوچيا.

 

كيف تؤثر التكنولوجيا علينا

المواليد بين عام ١٩٩٥- ٢٠١٢ هم أول من كبروا وفي أيديهم هواتف ذكية. في السنوات المبكرة، حذرنا الكثير من الخبراء من المخاطر المحتملة للهواتف الذكية وتأثيرها على عقول الصغار.

أصبح اليوم الحصول على أول هاتف ذكي طقسًا يُعبر عن انتقال الأبناء إلى مرحلة عمرية جديدة، وأرقام المبيعات تشير إلى أن الآباء والأمهات يشترون هذه الهواتف لأبنائهم في أعمار صغيرة، وتتناقص هذه الأعمار تدريجيًا. نعلم أن الأجهزة الإلكترونية لديها قدرة كبيرة على إشغال الأبناء، واستخدامها قد يجعلهم عازفين عن الأنشطة البدنية والتعاملات الاجتماعية وجهًا لوجه. ورغم أن البعض يحذر من الإفراط في وقت استخدام الشاشات، فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الوقت المنصرف على السوشيال ميديا هو المتهم الأول.

السوشيال ميديا مرتبطة أكثر بالضرر، خاصة لمن هم أكثر عرضة للاكتئاب والقلق. أحد المخاطر المتوارية من امتلاك الأبناء لهواتف ذكية هو تعريضهم إلى اختبار عميق لمشاعرهم قبل أن يمتلكوا المهارات للتعامل مع هذه المشاعر.

الكثير من المراهقين يقدمون أعمق مكونات كيانهم -مشاعرهم وانفعالاتهم واشتياقاتهم ورغباتهم وأحلامهم- إلى آلاف من الغرباء على الإنترنت. هذه السلوكيات قد تجعلهم مرتبكين ومنهكين، مع تبقي القليل ليستثمروه في علاقات حقيقية.. إن التبعات العاطفية قد تترك مراهقيك يشعرون بالارتباك.

حياة المراهق اليوم أشبه بوظيفة مربكة بدوام كامل.

 

التقلبات المزاجية الطبيعية والاكتئاب عند المراهقين

هناك ثلاثة جوانب يجب مراعاتها حين نحاول تحديد هل مراهقك يمر بتقلبات مزاجية طبيعية في هذه المرحلة العمرية أم أن هناك أمرًا أكثر خطورة.

١- الفترة الزمنية

إحدى المؤشرات التي يجب أن نبحث عنها لها علاقة بالمدة الزمنية. على سبيل المثال، هل مزاج مراهقك متقلب أو يتصرف بشكل مختلف لأكثر من عدة أسابيع؟ إذا كان الأمر كذلك، هناك احتمالية أنه يعاني أحد أشكال الاكتئاب.

٢- الأعراض

أنت تعرف ابنك/ ابنتك أكثر من أي شخص آخر. لكن النطاق الواسع من أعراض اكتئاب المراهقين يمكن أن يأخد صورًا متباينة من الانعزال، الحزن، زيادة حدة التقلبات المزاجية، النكد، البكاء، التوتر، والغضب. وبعض هذه الأعراض قد تتضمن تقلبات مزاجية غير متماشية مع ظروف الحياة الطبيعية.[*]

٣- جوانب حياتية

دوِّن ما قد تلاحظه من مشكلات تتعلق ببعض المجالات أو الجوانب من حياة مراهقك، مثل الأداء الدراسي، الرياضات، الأنشطة الشبابية. كذلك، إذا لاحظت تحولاً في تعاملاتهم مع الأصدقاء، أو زيادة الانعزال والانسحاب، فقد يكون الأمر أكثر من مجرد تقلبات مزاجية تحدث طبيعيًا للمراهقين.

هل لا تزال غير متأكد ما إذا كان الأمر مجرد تقلبات مزاجية أم شيء آخر؟ تمثل فترة البلوغ والمراهقة وقتًا عصيبًا. وبسبب كل ما يحدث في جسد المراهق وعقله، قد يكون من الصعب اكتشاف الأمر. راقب الأمر لترى هل يختبر ابنك/ ابنتك تقلبات مزاجية معتادة أم شيئًا أكثر تعقيدًا وخطورة، مثل الاكتئاب الإكلينيكي.

كُن متعمدًا في متابعة التغيرات التي تلاحظها في ابنك المراهق. وسواء كان يواجه التحديات المضنية للبلوغ، أو أوجاع الاكتئاب، فإن الأم والأب يحتاجان إلى معرفة المشكلات النفسية التي يواجهها المراهق. وفيما يلي خمسة جوانب يجب مراعاتها..

١- العادات الغذائية: هذا يتضمن التغيرات في الوزن. إذا لاحظت تغييرًا في العادات الغذائية لمراهقك، فهذا قد يشير إلى مشكلات نفسية متوارية.

٢- الاهتمامات: مؤشر آخر لوجود مشكلات يتضمن علامات لتغييرات في أنشطة المراهق أو اهتماماته أو هواياته. ورغم أن هذه التحولات لا تمثل دائمًا علامة على مشكلات نفسية، لكنها شيء من المهم ملاحظته. متابعة اهتمامات المراهق الحالية هي وسيلة جيدة للبقاء على تواصل معه، وللاستمرار في ترسيخ العلاقة بينكما.

٣- عادات النوم: يميل المراهقون إلى النوم كثيرًا. ومع ذلك إذا لاحظت تحولاً ملحوظًا في نمط النوم لديهم، ينبغي أن تتحدث معهم عن ذلك.

٤- تعاطي المواد المخدرة: المراهقة هي فترة يميل المراهقون فيها إلى تجربة أدوية أو مشروبات مسموح أو غير مسموح بها قانونيًا.. في مرات قد ”يجرّب“ المراهق بعض الأشياء ليتعامل مع ما يشعر به من توتر أو ألم أو ضغوط. لذلك فتعاطي أي نوع من المواد المخدرة أو الكحوليات ينبغي أن يمثل جرس إنذار.

٥- التفكير في الانتحار أو إيذاء الذات: إذا عبَّر مراهقك عن أفكار انتحارية، أو لاحظت أنه يؤذي نفسه بطريقة ما، فهو على الأرجح يعاني من الاكتئاب.

 

متى تطلب المساعدة؟

إذا كنت مشغولاً بأمان مراهقك، أو شككت بتعرضه لأفكار انتحارية أو ممارسات لإيذاء النفس، تحدث مع طبيب للأطفال أو طبيب نفسي يعمل مع المراهقين. ربما تراجع أيضًا خدام كنيستك لترشيح أحد المشيرين المعتمدين. كًن مستعدًا لتجربة أكثر من مشير أو شخص متخصص لتجد من بمقدور مراهقك أن يتواصل معه ويشعر بالارتياح في الحديث معه.

الخطوات التالية

ما هي بعض الخطوات الإجرائية والعملية التي يمكن أن تتخذها كأب أو أم؟ ماذا يمكنك أن تفعل لتساعد طفلك على اكتساب المرونة والمتانة النفسية؟

لاحظ ابنك/ ابنتك المراهق.. إذا شاهدت أمرًا لا يبدو صحيحًا، تعامل مع هذا الأمر.

تواصل مع مراهقك.. تحدث ودعه يعرف أنك ستصغي إليه بدون وعظ وبدون عصبية. لا تخف من أن تسأله هل يشعر بالاكتئاب أم لا. وليس لأن ابنك/ ابنتك قد ينكر أنه مكتئب فهذا يعني أنك تغفل متابعته عن قرب.

ثقّف نفسك بالأمور التي يمكنك أن تبحث عنها والتي قد تمثل أعراضًا للقلق المفرط أو الاكتئاب عند مراهقتك.

شجّع مراهقك على المشاركة في أنشطة سوية. سواء كان مراهقك يعاني من الاكتئاب أم لا، من الضروري أن يمارس أنشطة ويمتلئ وقته بالحركة. مع الأسف، إحدى مساوئ التكنولوچيا هي أن الكبار والصغار يقضون وقتًا كثيرًا جدًا على السوشيال ميديا ولا يقضون وقتًا كافيًا في النشاط البدني.

تذكّر أنت لستَ صديق مراهقك فقط، بل بالأكثر أنت والده/ والدته.. أنت موجود لتقدم الحب، والقيادة، والإرشاد، والصلاة من أجله.

 


[*] يمكن الرجوع إلى مقال Mayo Clinic بعنوان: Teen Depression (أغسطس ٢٠٢٢) لتجد قائمة كاملة بالأعراض.

© 2025 Focus on the Family. All rights reserved. Used with permission. Originally authored in English by Dr. John Thurman and published at focusonthefamily.com.

 

٣ أشياء يخافها أبناؤك المراهقون أكثر من غيرها