الآثار الضارّة على الأطفال لثقافة ممتلئة بالشاشات

بقلم: إميلي واشبرن

وفقًا لاستطلاع رأي صادر عن مستشفى سي. إس. موت[1] للأطفال “C.S. Mott Children’s Hospital”، فإن ٦٧٪ من الوالدين أفادوا بأن “الإفراط في استخدام الأجهزة ووقت الشاشات” يُعدّ أحد أكبر مخاوفهم الصحية بشأن أطفالهم.

كما يُحذّر زملاؤنا في قسم التربية، فإن وقت الشاشات قضية مُعقّدة يصعب التعامل معها لدى الكثير من العائلات. فمن ناحية، يحتاج الأطفال إلى فهم التكنولوجيا واستخدامها للتعامل مع عالمنا الحديث. ومن ناحية أخرى، يخشى الآباء أن يؤثّر الإفراط في وقت الشاشات سلبًا على نموّ أطفالهم وصحتهم النفسية.

بعض تأثيرات وقت الشاشات يسهُل تصنيفها وفهمها.. فمثلًا، يمكن لتعرّض الأطفال للضوء الأزرق الصادر من الشاشات قبل النوم أن يُقلل مدة نومهم. وفهم هذه الآثار الجسدية على أولادنا مهم، ولكن يجب أن ندرك أن التأثير الأقوى للشاشات يكمن في الطريقة التي تُشكّل بها هذه الشاشات عالمنا.

الشاشات، بغضّ النظر عن المحتوى الذي تعرضه، يمكن أن تُعلّم الأطفال تقدير ما هو سطحي، والسعي وراء ما هو فوري. ولا يستطيع الآباء مقاومة هذه الرسائل إلا عندما يفهمون كيف يتمّ نقلها لنا من خلال ثقافتنا المُشبّعة بالتكنولوجيا.

فيما يلي بعض الأمور التي ينبغي على الآباء مراعاتها عند مراقبة وقت الشاشات لدى أطفالهم:

 

الترفيه هو الملك

الشاشات تُعلّم الناس تقدير الترفيه أكثر من أي شيء آخر.

في عام ١٩٨٥، نشر الناقد الثقافي والعالم الشهير نيل بوستمان كتابه “نُسلّي أنفسنا حتى الموت”[2]، مُحلّلًا تأثير التلفزيون على المجتمع الأمريكي.

يشـرح بوستمان أن أنواعًا مختلفة من الميديا، مثل الصحف أو التليفزيون أو الراديو، تُجيد نقل بعض أنواع المحتوى دون غيرها. فأنت مثلًا لا يمكن أن تستخدم إشارات الدخان[3] لتعليم الفلسفة. التليفزيون، وأنواع الميديا الأخرى، تُجيد نقل الترفيه؛ ولذلك فإن كل ما تعرضه، من الأفلام إلى نـشـرات الأخبار، صُمّم ليكون، قبل كل شيء، مُمتعًا.

ومع تحوُّل التليفزيون إلى جزء أساسي من مكونات الأسرة في أواخر القرن العشـرين، بدأ الناس يتوقون إلى الترفيه في جميع جوانب حياتهم. وتكيّفت الصناعات تبعًا لذلك، فاستثمرت الشـركات في الإعلانات الجذّابة للعين، وبدأ مقدّمو الأخبار في عرض الكوارث واحدةً تلو الأخرى في فواصل مدتها 30 ثانية، كما بدأ المظهر الخارجي للسياسيين يؤثّر في نتائج الانتخابات.

كتب بوستمان كتابه في ثمانينيات القرن الماضي، لكن الناس يُقدّرون الترفيه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضـى. يوضّح نيكولاس كار، مؤلف كتاب «السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بعقولنا» الحائز على جوائز، أن الشاشات تُدرّب أدمغتنا على توقّع مواد جديدة ومثيرة بسرعات فائقة.

أمّا المؤمنون المسيحيون فيضعون المسيح فوق كل شيء، ويقيسون حياتهم بما يُمجّده. إن إعطاء الأولوية للترفيه يضع لذّتنا الشخصية فوق المسيح.

قد لا ندرك أن الترفيه يحتل هذا القدر من القوة في حياتنا. فالأطفال الذين نشأوا مع الشاشات لا يعرفون شيئًا سوى الإشباع الفوري الذي توفّره التكنولوجيا، ويقع على عاتق الآباء أن يُجسّدوا القيم الكتابية التي تُقوّضها الشاشات، مثل التواضع والعمل الجاد والسلام، وأن يُؤكّدوا أن لله غرضًا أعمق وأكثر معنى في حياة كل طفل من مجرد الاستمتاع.

 

الشاشات مواد إدمانية

تمارس الشاشات تأثيرًا قويًا على أنظمة قيمنا وثقافتنا لأنها إدمانية.

وفقًا لاستبيان قومي اُقتبس في كتاب «السطحيون»، في عام ٢٠٢٠ قضى الأمريكيون في المتوسط تسع ساعات و٤٥ دقيقة يوميًا أمام التليفزيون أو الكمبيوتر أو الموبايل، بزيادة تزيد على ساعة ونصف منذ عام ٢٠١٥. ويُرجع الكاتب هذا الاستخدام المتزايد إلى الهواتف الذكية، مشيرًا إلى دراسة أجريت عام ٢٠١٥، ووجدت أن الناس يستخدمونها بمعدل خمس ساعات يوميًا.

يقضـي الناس كل هذا الوقت على الهواتف الذكية لأنها “أكثر الأشياء إثارةً في العالم”، كما يقول بوستمان. ففي كل يوم، يقوم دماغنا بتصفية سيل من المُحفّزات، مُعطيًا الأولوية لما هو “جديد وغير متوقّع، أو مُمتع ومُجزٍ بطريقة ما، أو ذو صلة شخصية، أو مُثير عاطفيًا.”

يوفّر الهاتف الذكي لنا هذه الأربعة جميعًا. إذًا، ليس من الغريب، أن يشير بوستمان إلى عدة دراسات تُظهر أن مجرد وجود الهاتف الذكي، حتى وإن كان مُغلقًا في الجيب أو موضوعًا على المكتب، يُقلّل بشكل ملحوظ من الأداء الاجتماعي والأكاديمي لدى الناس.

وينبغي على الوالدين العمل على توفير مُحفّزات متنوّعة وغير إلكترونية للأطفال، وهو أمر حاسم لسلامة النمو. والأهم من ذلك، يجب أن يتأكّد الآباء من أن أطفالهم يتدرّبون على تسلية أنفسهم دون مُحفّزات خارجية؛ فالملل ضروري لنموّ العقول لتعلّم الخيال والإبداع، وكيفية التفكير المجرّد.

 

التكنولوجيا لا تستطيع تعليم المشاركة الوجدانية

تُبرز دراسة أُجريت عام ٢٠١٩، ونُشرت في «مجلة البحث في التدريس والتعلّم الابتكاري»، ما قد يعرفه بعض (وليس كل) الوالدين بشكل بديهي: التكنولوجيا لا تستطيع تعليم الأطفال المشاركة الوجدانية.

يبدأ الرضّع في تعلّم المشاركة الوجدانية من خلال ملاحظة عيون وأفواه والديهم. ومع نموّ الأطفال وتفاعلهم مع الآخرين، تساعدهم الألعاب التخيّلية على فهم وتوقُّع احتياجات الآخرين. تقتبس الدراسة من الأبحاث التي تقول إن الأطفال لا يستطيعون التعرّف على وجوه وحركات الأشخاص على الشاشات وتقليدها كما يفعلون مع البشر. بالإضافة إلى ذلك، استنتجت أن الأطفال الذين يلعبون ألعابًا تخيّلية عبر الإنترنت بدلًا من اللعب مع أطفالٍ آخرين لن يطوّروا مهارات اجتماعية ومشاركة وجدانية مناسبين.

وهذا لا يعني أنه ينبغي على الأطفال ألا يلعبوا ألعاب الكمبيوتر أبدًا! في الواقع، وجدت الدراسة أن الألعاب التخيّلية عبر الإنترنت يمكن استخدامها لتعليم الأطفال المصابين بالتوحّد الإشارات الاجتماعية، بشـرط أن يساعدهم شخص بالغ أو أحد الأقران في وضعها في سياقها وشرح أهمية الطقوس والتفاعلات الاجتماعية. كما يمكن استخدام التكنولوجيا كأداة لتعزيز نموّ الأطفال بشكل عام.. لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن التعليم والتفاعل البشري.

ويقع على عاتق الآباء مسؤولية التأكّد من أن أطفالهم لا تُربّيهم الشاشات، إذ يمكن أن تُعيق نموّهم الاجتماعي والتواصلي.

 

الحوار بالكلام أصبح موضة قديمة

شيري تركل، عالمة الاجتماع والأستاذة الجامعية والمديرة المؤسسة لمبادرة التكنولوجيا والذات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تؤكد على وجود “أزمة في المشاركة الوجدانية” بين الأطفال، ليس بسبب الشاشات ذاتها، بل بسبب الطريقة التي غيّرت بها علاقاتنا.

في كتابها «استعادة الحوار بالكلام: قوة الحديث في العصر الرقمي»، تُميّز تركل بين المحادثة الكلامية والتواصل التكنولوجي.. فالمحادثة المباشرة وجهًا لوجه بين الناس، كما تقول، تتطلّب من المشاركين أن يُحسنوا الاستماع ويتعلّموا قراءة تعابير الوجه وحركات الجسد، وهي أمور أساسية للمشاركة الوجدانية. كما تمنح المحادثات الناس مادة للتفكير الفردي، الذي يُشكّل إدراك الذات والهوية.. وهي تصف المحادثات التي نجريها مع أنفسنا بأنها “حجر الزاوية في النمو المبكر.”

بحسب تركل، يختار الأطفال بشكل متزايد التواصل التكنولوجي بدلًا من الحوار بالكلام، الذي يصفونه بأنه مُحرج، وغير مريح، وصعب الإنهاء. يشير «التواصل التكنولوجي» إلى أنواع العلاقات التي نُنشئها عبر الشاشات، حيث يتحكّم كل طرف في مقدار المعلومات التي يشاركها.

إن تفضيل التواصل التكنولوجي يُعطّل كل العمل الجيد الذي تقوم به الحوارات لعقولنا. فسرعة التكنولوجيا، ورغبتنا في التحفيز المستمر تدفع الناس إلى التحدّث بسرعة أكبر، وتوقّع إجابات أسرع. كما يختارون موضوعات أكثر سطحية لتناسب التفاعلات السريعة. وهذه الاتصالات لا تتطلّب استماعًا أو مشاركة وجدانية؛ لأن كل شخص يتحكّم فيما يشاركه ومدة التفاعل. ويتوقّف الناس عن إجراء محادثات مع أنفسهم لأنهم لا يمتلكون مادة جديدة للتفكير الفردي، ولأن الملل أصبح مشكلة تُحل بمزيد من التحفيز والتواصل الرقمي.

تؤكّد تركل أن الأطفال غير الناضجين عاطفيًا الذين يلاحظهم الآباء والمعلمون اليوم، والذين يُكوّنون علاقات سطحية، ولا يستطيعون مخاطبة الآخرين مباشرة، ولا يفهمون كيف تؤثّر أفعالهم على الآخرين، هم نتاج أن الشاشات جعلت الحوار بالكلام يبدو وكأنه موضة قديمة.

وتشير تركل إلى أن الأطفال الذين نشأوا مع التكنولوجيا لا يدركون ما يفقدونه عندما يفضّلون التواصل التكنولوجي على الحوار وجهًا لوجه. والطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها فهم قيمة هذه التفاعلات الأعمق هي أن يُظهرها لهم آباؤهم ويُمارسوها معهم.

 

ماذا الذي نريد أن يُقدّره أطفالنا؟

تؤثّر الشاشات على عقول وقلوب الأطفال؛ فهي تُعلّمهم تقدير الترفيه فوق كل شيء، وتوقّع إشباعٍ لا ينتهي، والتشتت عند زواله، وتوقّع السيطرة في العلاقات، وعدم معرفة أو تعلّم مراعاة أفكار ومشاعر الآخرين.. كل هذه الأمور تُضـرّ بالنموّ الإنساني، وتتناقض مع الإيمان المسيحي، الذي يُعلّمنا أن نحبّ المسيح فوق كل شيء، وأن نحبّ قريبنا كأنفسنا.

إن أقوى سلاح لدى الوالدين في مواجهة الآثار السلبية لعالم مُمتلئ بالشاشات هو تواجدهم، وتقديمهم للقدوة.. كن جزءًا من حياة أطفالك، العب معهم، علّمهم القيم والمبادئ الكتابية من خلال الطريقة التي تعيش بها حياتك، ولتكن حياتك خالية من إدمان الشاشات وممتلئة بيسوع المسيح.


[1]   C. S. Mottهو مستشفى متخصص في الرعاية المُركزة للأطفال فقط، تُقدم المستشفى خدمات طبية شاملة لسن ٠ حتى ٢١ سنة، وتضم أيضًا جناحًا للأمراض النفسية للأطفال والشباب المراهقين، وتقوم بأبحاث علميّة نفسيّة تخص سن الأطفال.

[2]  https://en.wikipedia.org/wiki/Amusing_Ourselves_to_Death

[3]  إشارات الدخان هي وسيلة تواصل قديمة كانت تُستخدم قبل وجود وسائل الاتصال الحديثة. تعتمد ببساطة على إشعال نار ثم إنتاج أعمدة من الدخان بطريقة معيّنة (مثل تقطيع الدخان أو تغيير كثافته) لإرسال رسائل يفهمها الطرف الآخر.


© 2026 Focus on the Family. Used with permission. Originally published in English at focusonthefamily.com