بقلم: داني ورتا
الامتنان ينقذنا من فخ التفكير السلبي ويساعدنا على التمتع أكثر بالحياة. الامتنان سمة ضرورية يجب على الوالدين أن ينمياها في أبنائهما بينما يقودانهم نحو إيمان مزدهر.
الممتنون أناس أصحاء
هل الممتنون أناس أصحاء أكثر من غيرهم؟ نعم! توصل الباحثون في دراسات عديدة إلى أن الأشخاص الممتنين عادة ما يكونون أكثر سعادةً وصحة وتفاؤلاً، وأكثر شعورًا بالرضا عن أنفسهم، وأكثر قدرةً على إدارة الضغوط بفاعلية حين تتحداهم الحياة بصعوباتها. في الواقع، الممتنون يتمتعون بمستويات أعلى من الرضا في الحياة، بما في ذلك علاقاتهم وعملهم وصحتهم. الامتنان نافع للطفل؛ فقد توصلت النتائج إلى أن الامتنان هو المؤشر الأكثر تأكيدًا وثباتًا عن السلامة والصحة النفسية للفرد.
لكن العلم لا يسعه إلا أن يؤكد الحقيقة الواردة في كلمة الله. عبر العهد الجديد نتعلم أن الامتنان هو دليل واضح للمسيحي السوي. في رسالة كولوسي يصف الرسول بولس ماذا ينبغي أن يكون عليه ”الإنسان الجديد“ أو ”الذات الجديدة“ ويذكر تدريبًا روحيًا أساسيًا بأن نكون شاكرين (كولوسي ٣: ١٥). ويضيف الرسول بولس أنه شاكر للتجارب لأنها تساعده على تطوير نموه الشخصي والروحي. كما تمتلئ المزامير أيضًا بأناشيد الامتنان.
كأب أحب أولادي دائمًا، لكني لم أكن شاكرًا دائمًا على عدم كفاية نومي، والأمور الأخرى المرتبطة بدوري كأب. أحيانًا يبدو أن الأطفال مرضى دائمًا، ولديهم احتياجات لا تنتهي، مما يستنزف قوتي. أتذكر أنني كنت أفكر: ”كيف يا تُرى للأب/ الأم الذي يعيش بمفرده أن يتحمَّل كل هذا؟“
يكون الامتنان سهلاً حين ينام الأولاد، أو حين نلعب سويًا ونحتضن بعضنا البعض، وبهذا يكون الامتنان وسيلة نافعة للاسترخاء وتجديد الطاقة. الصعوبة تحدث حين أكون متعبًا أو متوترًا أو مضغوطًا وقد نفذ صبري. الامتنان في حقيقته نوع من التدريب الروحي، خاصة حين لا يشعر مخك بأنه أبعد ما يكون عن الامتنان. الأمر يشبه إلى حد كبير الذهاب إلى صالة اﻟﭼـيم بينما بقية كيانك تصرخ وتقول: ”ماااااااذا؟“
اكتشف مستوى شعورك بالامتنان
بوسع الوالدين أن يشجعوا الامتنان في البيت
مثلي مثل معظم الآباء والأمهات، ليس لديّ مستوى ثابت في هذه السمة، لكني أجاهد أن أكون ممتنًا بقدر الإمكان. هناك بعض الآباء والأمهات الذين لديهم سمة الامتنان بشكل تلقائي أكثر من غيرهم، كما أن هناك بعض الأيام التي يكون فيها الامتنان أكثر سهولة بالمقارنة بأيام أخرى. بوسع الوالدين أن يشجعوا على ترسيخ فضيلة الامتنان في نفوس أبنائهم من خلال تجربة بعض الأفكار التالية:
١- انظر إلى الصور التي التقطتها، وابحث عن الأمور التي تشكر الله من أجلها في تلك اللحظات التي سجلتها عدسة الكاميرا.
٢- دوِّن أفكارك عن الامتنان بحيث يمكنك الرجوع إليها حين تشعر أنك تواجه شيئًا ثقيلاً.
٣- توقف لحظات لتنظر إلى ما هو أمامك بشعور من الامتنان.
٤- أخبر أحدهم بأنك تشكر الله من أجله من خلال مكالمة تليفونية أو رسالة قصيرة مكتوبة.
٥- خُذ نفسًا عميقًا، ومع خروج النَّفَس، اقضِ وقتًا للنظر بعناية من حولك ليُضخ بداخلك الشعور بالامتنان.
٦- اقرأ مزمورًا أو اثنين، وتأمل في قدرة الله، ودعمه، وعطاياه، وحضوره في حياتك. يقول المزمور: «تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ» (مزمور ١٦: ١١)
كأب، ألاحظ أن وجوه أبنائي تلمع حين أخبرهم بأنني ممتن لأجلهم، أو أنني شاكر لأي مساهمة يقدمونها إلى عائلتنا. كما لاحظت أيضًا أنهم يتذمرون أكثر حين أتذمر أنا، وتزيد احتمالية أن يشاركوا بشيء ممتنون لأجله حين أتحدث أنا وزوجتي عن أمور نشعر بالامتنان نحوها.
أصغِ، تعاطف، وعبِّر عن الامتنان
في الصباح، إذا كانت ابنتي خائفة من شيء سيحدث في المدرسة، أحاول أن أصغي لها بانتباه، وأدخل إلى عالمها للحظات، وكيف تنظر إلى يومها. وبمجرد أن أفهم وجهة نظرها عن اليوم، وأساعدها على أن ترى أنني أنظر معها، أحاول أن أحوِّل تركيزها بالتحدث عن شيء أُقدره في شخصيتها. وأحاول أن أُدخلها في وجهة نظري لبعض الوقت. الامتنان جيد لأنه يساعدنا على الابتعاد عن دوامة وفخ التفكير السلبي. نحن ندخل عالمًا ربما نفتقده بسبب النظرة الضيقة. الامتنان يوفر منظورًا أكبر نحتاجه بشدة حتى نفهم اللحظات والمواقف الصعبة.
الامتنان جيد: المنفعة رقم ١
التواضع والاحترام
هل سبق وأن تقابلت مع شخص متواضع؟ إنه شخص يصغي ويعبِّر عن امتنانه لما أعطاه الله من أشياء وأشخاص من حوله، والتواضع أمر أساسي لبناء العلاقات والتواصل مع الآخرين. الامتنان يطوِّر قدرة الأطفال على رؤية الآخرين على حقيقتهم واحترامهم.. بعد ذلك سنجدهم يصرفون الوقت في تقدير الآخرين بدلاً من الإلحاح في طلباتهم منهم.
الله يقول إنه قريب من المتواضعين ويقاوم المستكبرين. بوسع الآباء والأمهات أن يشجعوا اكتساب التواضع من خلال تعليم الامتنان. هذا يعطي مساحة لتوجهات الأبناء ومنظورهم للحياة أن يملأها قلب الله ومنظوره للأشياء والحياة والآخرين. هذا التواضع والاحترام في الطفل يساعدانه على تقدير ما هو جيد وسيئ في حياته بينما يكتسب توجهًا ونظرة أكثر مرونة تجاه الحياة.
الامتنان جيد: المنفعة رقم ٢
التوجه العام والنظرة للأمور
لأن الشعور الحقيقي بالامتنان يعلم الأطفال أن يتحلوا بالاحترام والتواضع، فإنه يقلل لديهم الشعور بالاستحقاق غير المبرر، ويزيد قدرتهم على إدراك حقيقة أن حياتهم تمتلئ بالعطايا والبركات والامتيازات. التوجه العام والنظرة للأمور هما أعمدة الواقع بالنسبة للشخص الذي يملكهما. الامتنان جيد لأنه يوفر واقعًا يشجع على التمتع بما أعطاه الله لنا.
تقابلت مؤخرًا مع شاب كان يواجه بتر أحد رجليه بسبب حادث سيارة خطير بالإضافة إلى إدمانه للمخدرات، الأمر الذي يؤخر شفاءه. لقد علَّمته أمه بالتبني خلال سنوات نموه عن مكاسب الامتنان، خاصة عندما تسوء الأمور. لقد نجح هذا الشاب في التحول من احتياجه لوسائل الهروب والشعور بالغضب تجاه أمور كثيرة في حياته إلى الشعور بالامتنان تجاه الأشخاص الذين يعتنون به. الآن يدرك كم كانت ستسوء حياته لولا هؤلاء الناس، وقد بدأ ذهنه يجد الحرية. لقد سمح لنفسه بأن يستمتع بالحياة بدلاً من الإلحاح بأن تتغير الحياة، أو القناعة أن الحياة مدينة إليه بشيء. كانت أمه تجسِّد دائمًا الامتنان، وتُظهر الصبر في سلوكياتها، بينما كان الصبر والامتنان يتجذران في حياة ابنها بالتبني. كان الأمر سيصبح مثاليًا لو أن هذا الشاب كان ممتنًا من البداية، لكن كان لديه رحلته الخاصة التي عاشها.
غرس وتجسيد المنفعة رقم ٢
الامتنان قد يحرر ذهن طفلك من التشبث بشيء خسره، أو لم يحصل عليه، ويحول ذهنه إلى التركيز على الإمكانيات والمخزون الذي لديه. اللقاء مع الله يتعلق بالترقب، والاندهاش، والحماس تجاه ما يفعله الله، وما تقود إليه قصته، والدور الذي تلعبه في هذه القصة.
يتعلم الأطفال كيف ينتبهون لما هو نافع للحفاظ على البهجة، والانبهار، والسعي، والرضا، والوصال، والنظرة الإيجابية المتفائلة.
هناك قول مشهور ﻟﭼﻳـمس أوبنهايم: ”الأحمق يسعى إلى السعادة من بعيد، أما الحكيم ينميها أسفل قدميه.“ يبدأ الأطفال في تعلُّم كيف ينظرون إلى أبعد ما يرون في اللحظة المعاصرة، ويتعلمون أن يستوعبوا ما هو متاح لهم للتمتع.
يشجِّع الآباء والأمهات على تنمية الامتنان في نفوس أبنائهم عن طريق تجسيده. ربما تريد أن تقضي بعض الوقت لإعادة برمجة الذهن لطفلك.. تنافسا معًا حتى تريا مَن يستطيع ذكر أكثر الأشياء التي تشعران بالامتنان تجاهها، خاصة في يوم يبدو أنه يسير في الاتجاه الخاطئ. اقضِ لحظات من التفكير لتعمل على تقوية ذهنك بينما تحاول إدارة الأمور التي لم تكن متوقعة وغير مفضلة لك.
الامتنان جيد: المنفعة رقم ٣
السلام الداخلي
يحتاج الأطفال أن يتعلموا أن يكونوا سعداء بما لديهم أكثر من التعطش للشيء التالي أو اللحظة التالية. بالطبع، الأطفال لا يزالون أطفالاً؛ لكن الآباء والأمهات يمكن أن يشجعوا أبناءهم ليكونوا في سلام مع الظروف. الامتنان جيد لأن مناخ الشكر يستطيع أن يعيد الأطفال ثانية إلى حالة السلام مع الله. الامتنان في المقام الأول هو مفتاح إعادة الضبط لأذهانهم التي تتأرجح بسهولة شديدة، بينما المشاعر والمفاهيم والتفسيرات والجروح والخبرات التي يجتازها الأبناء كل يوم يمكن أن تقودهم إلى الشعور بالاضطراب. في إشعياء ٢٦: ٣- ٤ توجد هذه الكلمات المفضلة لديّ:
«ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا،
لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ.
تَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّ فِي يَاهَ الرَّبِّ صَخْرَ الدُّهُورِ.»
هذه الآيات تظهر كيف تخلق الثقة بالله ذهنًا مليئًا بالسلام.
الامتنان جيد: المنفعة رقم ٤
المرونة في التفكير
الامتنان يسمح للذهن بأن يتصالح مع الأمور غير المتوقعة، ولا يلح في طلب أمور بطريقة معينة. أيها الآباء والأمهات، شجعوا المرونة في التفكير لدى أبنائكم عن طريق تعليم الامتنان.. الامتنان سيساعد أذهانهم على التأقلم مع ما هو حادث، وسيفسح المجال للحكمة.
الامتنان يمنح أبناءك المرونة في أذهانهم ليروا الجيد في السيئ، وكي يقبلوا أن السيئ يمكن أن يحدث، لكنه لن يدوم. بكلمات أخرى، إنه يساعدهم على رؤية إمكانية أن يخرج شيء جيد من شيء سيئ، وسيسمح لهم بأن يروا الظروف الصعبة كفرص للنمو، بدلاً من كونها مشكلات مروعة لا بد من تجنبها.
الامتنان جيد، وهو بالفعل رحلة نمو وتعلُّم.. وهذا ما يجعله سهلاً وصعبًا في آن واحد. وهو مثل أشياء كثيرة في الحياة -نافع لكنه صعب؛ والمؤكد أنك ستشعر بالارتياح عندما تتقنه.
© 2024 Focus on the Family. All rights reserved. Used with permission. Originally published in English at focusonthefamily.com.


