الحقيقة بشأن الكذب

علّم أولادك أن يقولوا الحقيقة باستمرار.


“صعب جدًا أن أثق بأنها تقول الحقيقة.”

مؤخرًا، جاءتني أمّ تطلب مشورتي بشأن عادة الكذب المتكررة لدى ابنة زوجها. في هذه الحالة، كانت الأم تظن أن الفتاة، تحب أن تُرضي الآخرين، وهي تكذب حتى لا تُخيّب ظن عائلتها في أمور مثل أدائها في المدرسة أو حياتها الاجتماعية. كان الأهل قد ناقشوا أكثر من مرة مع الفتاة أهمية الصدق، وكانوا قلقين من أن تُوقع نفسها في مشكلة كبيرة إن لم تتغيّر.

إنها مشكلة واجهتُها كثيرًا خلال سنوات عملي مع العائلات. الأطفال يكذبون على والديهم، وقد لا يتخلّصون من هذه العادة حتى بعدما يكبرون ويصبحون ناضجين قادرين على التمييز الأخلاقي بين الكذب وقول الحقيقة. فكيف يمكن للوالدين أن يساعدوا أولادهم على إدراك أهمية قول الحقيقة؟ ابدأ بمحاولة فهم السبب الحقيقي الذي يدفع طفلك إلى الكذب عليك.

 

الخيال مقابل الخداع

عندما يكون الأطفال صغارًا، في سنوات الدراسة الأولى مثلًا، تكون لديهم خيالات واسعة ونشيطة، وقد يخلقون قصصًا مذهلة أو يخترعون أصدقاء خياليين. عادةً، لا يدعو هذا الأمر للقلق، إلا إذا ظهر أن هناك انفصالًا واضحًا ومستمرًا عن الواقع. الخيال الصحي ينتُج من تخيّل الطفل المتقد بالحياة، وعادةً ما يكون ذلك بدون نيةٍ للخداع، بل أحيانًا بدون إدراك من الطفل أن القصة غير حقيقية. هؤلاء الأطفال لا يحاولون أن يكسبوا شيئًا من خيالاتهم تلك سوى بعض الراحة، أو ربما بعض الضحك من عائلاتهم.

وأما الكذب فهو قرار عن قصد بقول شيء يعرف الطفل أنه غير صحيح بهدف الحصول على ميزة معينة. قد يكذب الطفل على والديه لأنه يعتقد أنه سيهرب من الوقوع في المشاكل، أو ليُخفي شيئًا يخجل منه. وقد يكذب الأطفال أيضًا لجذب الانتباه، مثلًا بمحاولة إبهار الآخرين في موقف اجتماعي.

في هذه المرحلة العمرية المبكرة من العمر، قد يكون من الصعب أحيانًا التمييز بين الخيال والكذب المتعمد. على الوالديْن أن يسألوا أنفسهم: هل يكذب طفلي عمدًا ليحصل على اهتمامٍ أكبر، أم ليتهرّب من أمر غير مريح؟ أم أنه يستخدم خيالًا لطيفًا ليجذب الانتباه؟ إن كان مجرد مرح، علّمه أن تأليف القصص المضحكة قد يكون مُربكًا، وأن من المهم أن يحكي حقيقة ما حدث فور انتهاء القصة. ومع تقدم الطفل في العُمر، سيتجاوز هذه المرحلة، وينضج خياله، ويتعلم الفرق الواضح بين الخيال الترفيهي والكذبة المقصودة.

لكن إن شعرت أن الطفل يكذب عن عمد ليكسب ميزة ما أو اهتمامًا معينًا، فعليك التعامل مع الأمر بطريقة مختلفة، لكن في نفس الوقت بطريقة مباشرة. أخبره أنه في هذا البيت يتحدث الجميع بصدق لتظل الثقة قائمة بينكم دائمًا. وبصفته جزءًا من العائلة، فهو غير مسموح له بأن يقول أشياء غير صحيحة. ثم يجب أن تؤدبه على كذبه، واهتم بالأسباب التي تدفعه لذلك. في حالة الكذب، كما في كثير من مجالات السلوك الخاطئ، من الضروري أن يفهم الطفل بوضوح ما الذي يتوقعه منه والداه، وما العواقب التي ستحدث إن لم يحترم تلك التوقعات.

 

عندما يصبح الكذب أمرًا جادًا

هناك توازن صعب هنا.. يمكن أن يخشى الوالدان أحيانًا من تأديب الطفل على الكذب؛ لأنهما يخشيان أن يؤدي ذلك إلى جعل الطفل يكذب أكثر لتفادي العقاب. وكثيرًا ما نعتبر الكذب نوعًا من العصيان “الخفيف”، كأن الطفل فقط أخطأ في كلامه. أعتقد أن هذا تأثير مؤسف من ثقافة ترى الخداع وسيلة عادية لتحقيق ما نريد. ولهذا من المهم جدًا ألا يكذب الوالدان على أولادهما، وأن يزرعا جوًا في البيت يُكرم الحقيقة حتى عندما تكون غير مريحة.

لا يمكننا أن نسمح للكذب بأن يكون مقبولًا في بيوتنا، لأن كل علاقة جيدة تقوم على الصدق. والوالدان الجيدان يجب أن يضعا قواعد واضحة بشأن الكذب. وهذا يعني أننا نتعامل مع الكذب كما نتعامل مع أي سلوك سيئ آخر.. عندما نكتشف أن الطفل يكذب، نوبّخه بلطف، ثم نتأكد من أن هناك نتيجة تجعل الكذب أمرًا لا يستحق منه المحاولة.

من الضروري عند تأديب الطفل أن تكون العواقب مزعجة بما يكفي لتثنيه عن تكرار السلوك. لا، التبعات ليست قاسية أو مؤلمة أو لئيمة، لكنها تعني أن ابنك/ ابنتك يجب أن يتحفز لتجنّبها لأنها تبعات غير سارة. هل يحب ابنك/ ابنتك اللعب على الآيباد؟ أو زيارة بيوت الأصدقاء؟ أو الذهاب إلى الچيم؟ عندما تعرف ما الشيء الذي سيزعجه فقدانه، فقد وجدت العقوبة المناسبة. الكذب مشكلة خطيرة، لذلك لا تتساهل معه. إن كذب عليك طفلك، فيجب عليه أن يعرف أنه سيُحرم من شيئ ممتع جدًا لعدة أيام.

أحيانًا لا يتمكن الوالدان من حل المشكلة لأن أولادهما لا يبالون فعلاً بالعواقب التي طبقها الوالدان. هؤلاء الأطفال يعرفون الثمن، ومع ذلك يواصلون الكذب لأنهم قادرون على تحمّله. الأطفال يحتاجون إلى دافع حقيقي لتجنّب العقوبة، وهذا لن يحدث إلا إذا جعلاها الوالدان أكثر جدّية.

 

الكذب في سنوات المراهقة

مع تقدم الأبناء في العُمر، يصبح جليًّا أن الكذب قرار مقصود. ومن المهم أن ندرك أن هناك أسبابًا مُختلفة لكذب المراهقين على والديهم، غير تلك الأكاذيب البسيطة للهروب من العقاب. فحين يكذب المراهق، قد يكون هدفه الحقيقي هو جذب انتباه والديه. بعض المراهقين يمكن أن يكونوا في حاجة شديدة إلى الاهتمام لدرجة أنهم يقومون بشيء يصدم والديهم – كأن يُكشف كذبهم، أو يقومون بسلوك سيئ آخر.. فهم يظنون أن الاهتمام السلبي أفضل من عدم الاهتمام إطلاقًا.

قد يكذب المراهقون أيضًا لأنهم لاحظوا أمرًا واقعيًا في العالم الذي يعيشون فيه. مع الأسف، يرى أبناؤنا الكذب يُعرض في العالم من حولنا كوسيلة مقبولة لتفادي المواقف المحرجة أو المؤسفة. والأسوأ أنهم يرون أن الكذب ينجح فعلاً مع أصدقائهم وحتى مع أفراد العائلة.

سبب آخر محتمل للكذب هو أن المراهق يكون غاضبًا أو محبطًا من ظروف صعبة، ويخاف داخليًّا من إظهار تلك المشاعر، فيكذب حول حقائق تزعجه أو تحرجه. قد يحاول بعضهم الانتقام من الأشخاص الذين يغضبون منهم عن طريق الكذب عليهم أو عنهم.

على الوالدين أن يستخدما حكمتهما -وأحيانًا إحساسهما الداخلي- لمعرفة لماذا ومتى يكذب المراهق.

في حالة الأم التي كانت قلقة بشأن كذب ابنة زوجها، تساءلتُ إن كانت الفتاة تكذب بشكل مُتَعَمَّدْ لجذب الانتباه، أو أنها تتصرف بدافع الغضب. لم أقتنع بفكرة أنها “تحب أن تُرضي الآخرين”؛ لأن الأشخاص الذين يحبون إرضاء الآخرين عادةً لا يريدون أن يخيّبوا أمل من يحبّونهم؛ لذلك لا يُعبّرون عن غضبهم بالكذب خوفًا من أن يبتعد أحباؤهم عنهم. لكن هذه الفتاة كان لديها أسباب كثيرة للغضب. الأطفال الذين مرّوا بتجربة طلاق والديهم يعانون من ألم كبير: حيرة، ووحدة، وغضب. وغالبًا لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذه المشاعر. الكذب على الوالدين في هذه الحالة ليس رد فعل غريبًا.

ردّ فعل الوالدين على كذب المراهق يحتاج أن يكون أكبر من مجرد توبيخه أو معاقبته.. يجب أن يتحدث الأهل مع المراهق عن مشاعره؛ فالجلوس مع المراهقين والتعاطف معهم يُسهم كثيرًا في بناء نوعٍ من الثقة يجعلهم يشعرون بأنهم يستطيعون قول الحقيقة لك باستمرار. صحيح أن الأبناء قد لا يرغبون في التحدث مع والديهم، لكن من المهم أن نستمر في المحاولة. يجب أن يعرفوا أن دورنا كآباء وأمهات هو مساعدتهم، لا إيذاؤهم. يجب أن يروا والديهم كشركاء معهم في فريق واحد، وأشخاص موثوقين يقفون إلى جانبهم. اعمل على تقوية العلاقة معهم؛ فهذا هو الطريق الأفضل ليتوقفوا عن الكذب.

 

 

 

©  2025 Focus on the Family. All rights reserved. Used with permission. Originally authored in English by Dr. Meg Meeker.