خمس مهارات للذكاء الوجداني والعلاقاتي

بقلم: د. جون ترنت

يُعَدّ الذكاء الوجداني (العاطفي) والعلاقاتي واحدًا من أكثر مجالات النمو أهميةً، ومع ذلك غالبًا ما يتمّ إغفاله، في حياة أطفالنا. هذه الخصائص الخمس يمكن أن تساعد طفلك على النجاح في تنمية ذكائه العلاقاتي.


مؤخرًا، في متجر البقالة، أُتيحت لي الفرصة لأُشاهد رد فعل صبي صغير عندما حيّت والدته إحدى زميلاتها في العمل. سارع الطفل ذو الخمس سنوات فورًا إلى إلقاء التحية على الغريبة، ولم يتراجع أمام وجود شخصٍ جديد. لقد أُعجبتُ بمستوى الذكاء العاطفي والعلاقاتي الذي كان يمتلكه هذا الصبي بالفعل في مثل هذا السن.. فهو لم يكن خائفًا من بناء علاقات جديدة، بل على العكس، كان متحمسًا لها. وكانت مهاراته الاجتماعية تفوق بكثير ما رأيتُه لدى العديد من الأطفال خلال العام الماضي.

غالبًا ما ينشغل الوالدان بإنجازات أطفالهم الأكاديمية والدراسية إلى درجة أنهم ينسون التركيز على الذكاء الوجداني والمهارات الاجتماعية.. ومن أهم هذه المهارات الذكاء العلاقاتي. فالطفل الذكي علاقاتيًا يُجيد الارتباط بالآخرين وبناء العلاقات معهم. ويُعدّ الذكاء العلاقاتي أمرًا بالغ الأهمية ينبغي تعلّمه في وقتٍ مبكر، وسيلازم الطفل طوال حياته، حتى في مرحلة البلوغ والعمل.

لكي يكون الطفل ذكيًا علاقاتيًا، يجب أن تتوافر فيه خمس خصائص في شخصيته. دعنا نلقي نظرة على كل خاصية على حدة.. وسأكتفي هنا بعرضٍ مُبسّط لكل منها.

 

١- التعلق الآمن..

يبدأ التعلق منذ اللحظة التي تُحضر فيها طفلك إلى المنزل من المستشفى.. فالعلاقة بينك وبين طفلك هي أول علاقة سيبنيها أطفالك. ولكن ما هو التعلق أصلًا؟ التعلق يعني أنه عندما يشعر أطفالك باحتياجات جسدية وعاطفية وذهنية، يوجد من يستجيب لهم ويوفّر هذه الاحتياجات؛ مما يحقق لهم بيئة آمنة ومستقرة. وبالنسبة لكثيرٍ من الأطفال اليوم، مع الأسف لا يحدث هذا.. فأطفالنا هم الأكثر حماية، ولكنهم الأقل تربية. لقد أدّى التعلّق بالشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي إلى فجوات كبيرة في العلاقات المباشرة وجهًا لوجه، كما أثّر على مقدار الوقت الذي يقضيه الآباء في التفاعل مع أطفالهم.

 

٢- الاستكشاف بلا خوف..

الأطفال المتعلقون جيدًا بوالديهم يكون لديهم وقت أسهل في استكشاف العالم.. حيث يبدأ الطفل في استكشاف عالمه بين سنّ السنة والسنتين، وأن نمنحهم الحرية والتشجيع على ذلك هو أمر بالغ الأهمية. في سبعينيات القرن الماضي، أجرت ماري أينسورث دراسة تُدعى “الموقف الغريب”.[1] شملت الدراسة أطفالًا صغارًا.. كانت الأم تُدخل طفلها إلى غرفة غير معروفة بالنسبة له ثم تغادر. وبعد فترةٍ قصيرة تعود الأم، ثم تغادر مرةً أخرى. وتُكرر عملية عودتها ومغادرتها عدة مرات. الأطفال الذين يتمتعون بشكل كبير من التعلق الآمن بأمهاتهم تصرّفوا بشكل مختلف عن الأطفال الذين لم يكونوا متعلقين جيدًا.. فقد أدرك أولئك سريعًا أن أمهاتهم حتمًا ستعود. وبحلول المرة الثانية التي غادرت فيها الأم الغرفة، كان الأطفال قد بدأوا في استكشافها. أمّا الأطفال الذين لم يكن لديهم تعلق آمن، فلم يختاروا استكشاف محيطهم الجديد.

لا يحتاج الأطفال فقط إلى معرفة كيفية استكشاف العالم من حولهم، بل يحتاجون أيضًا إلى معرفة كيفية استكشاف أشخاص آخرين. ويشمل ذلك تعلّم اكتشاف ما يحبّه الآخر، وما يكرهه، وأفكاره، ومعتقداته، وشخصيته، وتعلّم بناء علاقة معه أو معها. إن امتلاك القدرة على استكشاف الآخر والتعلّم عنه يُعدّ خاصيةً هامة في امتلاك مهارات الذكاء الاجتماعي والعاطفي، وخطوةً كبيرة نحو الذكاء العلاقاتي.

 

٣- المتانة النفسية الثابتة..

يمكن للأطفال أن يبدأوا في تعلُّم المتانة النفسية منذ عمر السنة أو السنتين. وفي هذه المرحلة الُمبكرة ستؤثّر المتانة النفسية عليهم حتى مرحلة البلوغ. من المهم تعليم الأطفال أنه إذا سقطوا، يمكنهم أن ينهضوا مرةً أخرى. كآباء، يكون من المُغري إزالة كل العوائق الممكنة من طريق أطفالنا. ومع ذلك، إذا أزلنا كل تحدٍّ يواجهونه، فسيحتاجون إلى قدر أقل من المتانة، ولن تتاح لهم الفرصة لتعلُّمها.

على سبيل المثال، فكّر في جهاز المناعة في جسم الإنسان.. لكي يبقى قويًا، يجب أن يواجه نزلات البرد، وحالات الإنفلونزا، وغيرها من العدوى. ومن خلال التغلّب على هذه الفيروسات والعدوى البسيطة، يقوّي نفسه لمواجهة أمراضٍ أكبر لاحقًا، وربما التغلب عليها. لكن، إذا أزلنا جميع الفيروسات والبكتيريا، فلن تعود أجسامنا قادرة على مقاومتها وتقوية نفسها. وبالتالي، عندما يظهر فيروس كبير، ستكون فرصتنا في مقاومته ضعيفة.

وبالمثل، يحتاج أطفالنا إلى تعلّم كيف ينهضون من جديد، ويكونوا لديهم متانة في الأمور الصغيرة، حتى إذا واجهتهم تحديات كبيرة لاحقًا في الحياة، يكونون قد تعلّموا كيف يواجهونها بثبات. وتُعدّ المتانة النفسية عنصرًا أساسيًا في الذكاء العاطفي والعلاقاتي.

 

٤- اتخاذ قرارات حكيمة..

يبدأ الأطفال في استيعاب مهارات اتخاذ القرار بوضوح في سن الرابعة أو الخامسة تقريبًا، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الأطفال الانتقال من الملاحظات المادية إلى التفكير المجرّد والاحتمالات. ومع بدء الأطفال في استكشاف العالم واتخاذ الخيارات، فإنهم سيسقطون، وسيفشلون. وواحدة من أفضل الطرق لتعلّم اتخاذ قرارات حكيمة هو اتخاذ بعض القرارات السيئة أولًا. ويحتاج الأطفال إلى أن يتعلّموا مبكرًا وباستمرار النتائج التي تترتب على اختيارات مُعيّنة. ولدى الآباء فرصة فريدة لإرشادهم وإظهار كيفية اتخاذ قرارات أفضل في المرة القادمة. يمكن أن يكون اتخاذ القرارات الحكيمة خطوةً كبيرة في الذكاء العاطفي والعلاقاتي. كما يمكن أن يساعد أطفالنا على اختيار الأصدقاء والمرشدين الذين سيكون لهم تأثيرٌ إيجابي في حياتهم، ويساعدونهم على النمو في علاقاتهم مع الآخرين ومع المسيح.

 

٥- الخدمة الموجّهة نحو المستقبل..

في سن السادسة تقريبًا، يبدأ الأطفال في تعلّم كيفية التخطيط للمستقبل. كما يصبحون أكثر ملاحظةً لاحتياجات الآخرين في هذه المرحلة من حياتهم. وكلما تمت تلبية احتياجات أطفالنا الداخلية في هذه المرحلة، كانوا أكثر قدرةً واستعدادًا لمساعدة الآخرين الذين لديهم احتياجات من حولهم. إن القدرة على بناء العلاقات مع الآخرين من خلال الخدمة تُعدّ سمةً هامة للأطفال الذين يتمتّعون بمهارات قوية في الذكاء العلاقاتي. إن خلق فرصٍ لأطفالك لخدمة الآخرين، سواء في الكنيسة، أو من خلال القيام ببعض الأعمال لأحد المعارف، أو شراء البقالة لصديق، يمكن أن يساعد في تعزيز ذكائهم العاطفي والعلاقاتي، وغرس قلب خدوم فيهم لبقية حياتهم.

 

طرق لتنمية مهارات الذكاء الاجتماعي والوجداني لدى الأطفال

الآن وقد ناقشنا خصائص الأطفال الذين يتمتّعون بالذكاء الوجداني والعلاقاتي، قد تتساءل كيف يمكنك تنمية هذه المهارات لدى أطفالك. إليك بعض الطرق للبدء:

١- تنمية مهارات الذكاء الوجداني معًا..

أولًا، من المهم التأكّد من أن أطفالك يعلمون أنك معهم في هذا الأمر.. فأنت لا تدعم فقط نموهم في الذكاء الوجداني والعلاقاتي، بل أنت أيضًا تنمو معهم باستمرار في هذه المجالات. أجرى العلماء دراسة قبل بضع سنوات تُعرف باسم «دراسة التلّ المرتفع».. حيثُ طُلب من أشخاص الوقوف عند قاعدة جبل عالٍ ومشاركة تقييمهم لمدى ارتفاعه وانحداره وصعوبة تسلّقه. وفي كل حالة، إذا كان شخص عزيز يقف بجانبهم عند قاعدة التل، فإن إدراكهم لحجمه وصعوبة تسلّقه كان ينخفض. إن تنمية هذه الخصائص لدى أطفالك تشبه، بطريقةٍ ما، ذلك التل. وأفضل نقطة للبدء هي تشجيعهم بكلماتك. لقد عانت والدتي من التهاب المفاصل الروماتويدي لسنواتٍ عديدة. وعلى الرغم من أنها لم تستطع أن تكون موجودة بجانبي في كثيرٍ من تحديات حياتي، فإن الكلمات التي غرستها في قلبي على مرّ السنين هي التي بقيت معي وشجّعتني.

 

٢- التفاعل وجهًا لوجه..

بعد ذلك، احرص على أن تتاح لأطفالك فرص كافية للتفاعل مع الآخرين وجهًا لوجه. فكلما قلّ التفاعل المباشر لدى الطفل، تراجعت مهاراته الاجتماعية. إن التعاطف لا ينتقل عبر «الخلايا العصبية المرآوية» من خلال الشاشات والأجهزة؛ وهذا يجعل الأطفال يواجهون صعوبةً في تعلّم التعاطف مع الآخرين. خلال فترة الكورونا، لاحظنا تراجع المهارات العلاقاتية والاجتماعية لدى أطفالنا. احرص على ترتيب لقاءات لعب منتظمة مع صديق واحد على الأقل. وعرّف أطفالك على أشخاص جدد قدر الإمكان.

 

٣- تشجيع علاقات الأقران..

تلعب علاقات الأصدقاء من نفس العُمر أيضًا دورًا هامًا في الذكاء العلاقاتي. لقد انخفض عدد العلاقات والصداقات، خاصةً بين الأولاد، بشكل كبير خلال فترة الكورونا. وتزدهر الفتيات بشكل خاص من خلال التفاعلات الاجتماعية مع الآخرين. إن التفاعل المباشر مع الآخرين، بدلًا من التفاعل عبر الشاشات، يمكن أن يساعد الأطفال بشكلٍ كبير على بناء الصداقات والعلاقات، وتحسين نظرتهم إلى الحياة.

 

٤- قياس التقدّم..

لاحظ دائمًا مدى تقدم ابنك/ ابنتك في نمو مهاراته الاجتماعية والعاطفية، وشجعه على هذا التقدم، وأنه لا يزال هناك المزيد دائمًا. ويمكنك مشاركة أمثلة من حياتك الشخصية عن مثل هذا النمو في المجالات المختلفة؛ فهذا يخلق حافزًا على استمرار التقدم لبقية الحياة.


[1] تجربة الموقف الغريب هي واحدة من أشهر التجارب في علم النفس، وضعتها عالمة النفس Mary Ainsworth لدراسة علاقة الطفل بمقدّم الرعاية (غالبًا الأم)، وخصوصًا ما يُعرف بـAttachment Theory أو نظرية التعلّق.. وتعد أهمية هذه التجربة في أنها أوضحت 4 أنماط لبناء العلاقات يمكن أن يختبرهم أي إنسان وأن أول علاقة في حياة الإنسان تُشكّل طريقته في العلاقات كلها طوال حياته.. ولقراءة المزيد عن أنواع التعلّق وكيفية تأثيره في العلاقات: https://focusonthefamily.me/عايش-الحياة/القسم-الأول-أفضل-الدفاعات-ضد-الانتحار/الفصل-الأول-التعلُّق-والاتصال-بأبنائ/


 

© 2021, 2026 Focus on the Family and Dr. John Trent. Used with permission. Originally published in English at FocusOnTheFamily.com.