بقلم: Dr. Patricia Landry
اكتشاف كيفية تحسين الصحة النفسية هو شأن عائلي. إليك سبع طرق لتحسين الصحة النفسية داخل عائلتك حتى تتمكن من التعامل بصورة أفضل مع أي مفاجآت تحملها لك الحياة.
يجد كل فرد في عائلتنا الأمان والراحة في الروتين الطبيعي والإيقاع المعتاد للحياة اليومية.. فالأنماط المُتكررة لأنشطتنا تعمل في انسجام مع الإيقاعات الداخلية لأجسامنا، لتوفر لنا إطارًا عامًا من الصحة النفسية. ومع ذلك، عندما تقاطع مواقف جديدة إيقاعات حياتنا، أي تفقد إيقاعاتنا البيولوجية تناغمها، أو عندما تظهر ضغوط إضافية، قد نجد صحتنا النفسية متذبذبة. ونتساءل: “كيف يمكنني أن أحافظ على عائلتي في صحة نفسية جيدة خلال كل من الأوقات الجيدة والأوقات الصعبة؟” حسنًا، إليك سبع طرق لتحسين الصحة النفسية داخل عائلتك حتى تتمكن من التعامل بصورة أفضل مع أي مفاجآت تحملها لك الحياة.
١- النوم
كما يمكن أن يؤكد أي أب/ أم جديد، فإن النوم أمر حيوي للصحة النفسية للإنسان. لأنه بدون راحة كافية، تخرج إيقاعاتنا البيولوجية عن نظامها المُعتاد؛ فنصبح سريعي الانفعال، مُكتئبين، غير مُنتبهين، ومُفتقدين إلى التركيز، ونكافح لضبط مشاعرنا، ونقضي أغلب فترات اليوم مُتعبين ومُتذمرين.
أظهرت الدراسات أن نقص النوم يمكن أن يسبب تدهورًا عقليًا، بما في ذلك حدوث الهلاوس. والاضطراب في دورة النوم واليقظة يؤكد وجود مشكلات تتعلق بالصحة النفسية. وقد تشمل هذه الاضطرابات النوم أكثر من اللازم، أو أقل من اللازم، أو الشعور بالنُعاس المُفرط خلال فترات اليوم.. فنصبح عابسين عندما يضطرب سُباتنا.
النوم ضروري لقدرة عقولنا على تخزين الذاكرة، وللتخلُّص من الضغوطات التي صاحبتنا طوال اليوم، ولإعادة شحن طاقتنا.. فالنوم يعيد إلينا بَريقنا. إن تحديد أوقات ثابتة، للنوم مساءً والاستيقاظ صباحًا، يُعتبر روتينًا أساسيًا لعائلتنا، ويساعدنا في الحفاظ على ثبات إيقاعاتنا البيولوجية.. وهو أيضًا أحد أفضل الطرق لتحسين الصحة النفسية. ولا يوجد بديل لليلة نوم رائعة. واحدة من أجمل الأمور التي يختبرها الآباء الجُدد هي أن يبدأ الطفل أخيرًا في النوم طوال الليل.
٢- التلامس المُريح
يزيد التلامس الجسدي من مستويات الأوكسيتوسين[1] والدوبامين[2] في أدمغتنا. ولكلا الهرمونين تأثير إيجابي على صحتنا النفسية. يُعرف الأوكسيتوسين بأنه هرمون الشعور الجميل؛ فهو يُعزز الرابطة التي تربط الناس ببعضهم البعض. كما يُعزز الاسترخاء والثقة، وأيضًا الاستقرار النفسي. أما الدوبامين فينظم مشاعر المتعة والرضا. ويساعد كلا الهرمونين على أن نحافظ على إيقاعاتنا البيولوجية كي تعمل بصورة سليمة.
يجد الأطفال الرضع الراحة في أن يتم حملهم، وهزّهم، وأرجحتهم. كما أظهرت الدراسات على الأطفال الأيتام الذين لا يحظون بتلامس جسدي مستمر أن هؤلاء الأطفال يعانون عاطفيًا ونفسيًا. هناك شيء جوهري وحيوي في التلامس الجسدي.. فالتلامس المُريح هو ما يجعل العناق أمرًا أساسيًا، وهو ما يجعل تشابك الأيدي مع من نُحب علامة فارقة لعلاقة قويّة تقوم على الثقة. عندما تعجز الكلمات، ينجح العناق.
والعائلات تُدخِل التلامس المريح في سلوكياتها كلما مارسوا بعض الأفعال كالعناق، والتصارع اللطيف غير المؤذي، وتبادل تدليك الظهر، وإمساك الأيدي أثناء الصلاة. وغالبًا ما تكون الحيوانات الأليفة جزءًا لا يتجزأ من العائلة، وتُقدّم كلاً من راحة التلامس والدعم العاطفي. وتظهر قوة الحيوانات الأليفة في أنها تجعل الإنسان مُتفاعلًا مع من حوله بشكل أكبر.. فإن مداعبة كلب أو قط تؤثر في دماغنا بطرق مشابهة للتفاعل مع طفل لطيف. وإذ يطلق هذا التفاعل الأوكسيتوسين والدوبامين في أدمغتنا، نسترخي، وينخفض ضغط دمنا، ونخطو خطوة أقرب إلى السلام.
أن تُحتضَن هو أحد الطرق لتحسين الصحة النفسية في عائلاتنا. ونحن نحتاج أن نعرف من الذي يحتضنا.. جسديًا، وعاطفيًا، وروحيًا. وأحد أهم الأمور التي تساهم في تحسين صحتنا النفسية هو الشعور بالانتماء، الذي يُشكّل إدراكنا لقيمتنا الذاتية وقيمتنا. يجب أن يعلم كل فرد من أفراد عائلتنا، حتى في خضم الفوضى والمشاكل اليومية، أننا ننتمي لبعضنا البعض.
٣- التأمل الهادئ والتعبُّد
إحدى طرق تحسين الصحة النفسية داخل عائلاتنا هي أن نُنشئ روتينًا يوفّر لنا وقتًا للتأمل الهادئ والتعبُّد، سواء كعائلة أو بشكل فردي. فعبادة الله معًا كأسرة، وقراءة الكتاب المقدس معًا، والصلاة معًا، تجعلنا أقوى. وداخل إطار الأسرة، نتعلم كيف نغلب ونقاوم.. ماهرين في فن الفشل، بينما لا نكون فاشلين! نحن نتعلم كيف نُدير صراعاتنا، وكيف نُعالج مشاعرنا؛ مثل الغضب، والحزن، وخيبة الأمل، والخوف. نحن نتعلم كيف نُطور الذكاء العاطفي من خلال تفاعلاتنا العائلية، الذي من شأنه تعزيز التفاعلات الصحية مع الآخرين.
إن الوقت الفردي الذي نقضيه في تدوين اليوميات، وحفظ الكتاب المقدس، وطلب حضور الله، يعد من أثمن الطرق لتحسين الصحة النفسية.. فهو ينمّي فينا القدرة على طرد الأفكار السلبية التي تُهدّد بتدمير الصحة النفسية لعائلتنا.
٤- قضاء بعض الوقت في الخارج
تكتشف العديد من العائلات أن الهواء الطلق يوفر إحساسًا بالسكينة. كما يمكن أن يقدم مغامرات جميلة لتشاركوها معًا؛ مثل مساعدة شخص غريب، او تمشية في الحديقة مع حيوانك الأليف، أو الذهاب إلى مكان مُختلف مثل مؤتمرات الكنيسة، أو حضور مسرحـية في المـسرح.. يروج اليابانيون لممارسة “شينرين-يوكو”، أو ما يُعرف باسم «الاستحمام بالغابة»، أو استنشاق أجواء الغابة.
إن التواجد في الطبيعة غالبًا ما ينشط حواسك المتعددة (النظر، اللمس، السمع، الشم، التذوق)، وهو ما قد يكون تجربة مُريحة للغاية. وهو يعد طريقة رائعة لتحسين الصحة النفسية داخل عائلتك.
عندما تكون العائلات نشطة في الخارج، فإنها تكون أيضًا بعيدة عن نداء التكنولوجيا المُغري. قد يكون من الصعب العثور على إشارة الهاتف المحمول كلما ابتعد المرء عن المنزل، مما يحد بشكل طبيعي من وقت الشاشة. إن التعرض المتكرر للشاشات قد يربك روتيننا البيولوجي.
٥- جدولة موعد للعب
فكر في جدولة موعد عائلي ثابت للعب ضمن روتينك. في كل أسبوع، خطط لرحلة إلى الحديقة، أو قم بجولة بالدراجة في الحي، أو لعب الكرة مع الأصدقاء في الملعب. يتيح اللعب المنظم وقتًا مهمًا للتعبير عن الذات، والإبداع، والاستمتاع باللحظات مع العائلة أو الأصدقاء، وتكوين ذكريات الطفولة التي ستدوم مدى الحياة. هذه اللحظات تساندنا خلال الصراعات الحتمية التي تلقيها الحياة في طريقنا. قدّر قيمة اللعب، والضحك، وفقدان الإحساس بالوقت. قد نسميه “لعبًا”، لكنه يعتبر أيضا تمرينًا بدنيًّا، وهو إجدى الطرق الأخرى لتحسين الصحة النفسية.
٦- التمارين البدنية
جسمنا مصمم ليمارس الحركة طوال الوقت! والنشاط أمر حيوي لصحتنا النفسية. ولا تقــتصر فوائد التمارين على تحسين قوة العضلات، والتناسق، والتوازن، والتحمل فقط. بل إن ممارسة الرياضة تنمي الثقة بالنفس، وتعزز مهارات القيادة، وتوفر إحساسًا بالإنجاز. وقد أظهرت الدراسات أنه في حالات الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، يمكن أن تحقق التمارين تحسُّنًا نفسيًّا، يُضاهي ما تحققه أدوية الاكتئاب التي يصفها الطبيب.
٧- تناول طعام جيد
بعد كل اللعب والتمارين مع عائلتك في الخارج، من المهم الحفاظ على ترطيب جيد للجسم. يمكن أن يحوّل الجفاف الدماغ من عنبة إلى زبيبة.. يكون عقلك أكثر صحة عندما يكون مرتويًا؛ فالماء والطعام وقودان ممتازان لجسمنا وعقلنا.
نعلم جميعًا أن بعض الأطعمة أفضل لنا من غيرها؛ وهذا أحد الأسباب التي تدفع الآباء إلى الحد من استهلاك أطفالهم للسكر الزائد عن الاحتياج. وكذلك يُحدث الكحول دمارًا كبيرًا في الدماغ. يمكن لنقص العناصر الغذائية أن يُضعِف وظيفة الدماغ، كما يمكن لسُمّيّة المعادن الثقيلة أن تُحدث اضطرابًا عقليًا. لقد أصيب «صانع القبعات المجنون» في كتاب «أليس في بلاد العجائب»[3] بالجنون نتيجة التعرض للزئبق المستخدم في عملية تصنيع القبعات. واليوم، يمكن أن يحدث هذا التسمم بالزئبق نتيجة تناول أسماك ملوثة.
بشكل عام، نحن ما نأكله! إن اختيار الطعام المغذي يوفر بناء أفضل لخلايا أجسامنا، بما في ذلك خلايا الدماغ. وتعتمد أدمغتنا على تدفق مستمر من العناصر الغذائية؛ وعندما تكون ناقصة، يعاني دماغنا بشكل كبير.. وعندما يتألم الدماغ، تتأثر صحتنا النفسية. لقد شعرنا جميعًا بالسوء بعد الإفراط في الأكل، ومن منا لم يصبح “غاضبًا من الجوع” عندما فوّت وجبة؟ فالعناصر الغذائية تساعد أجسامنا على تنظيم الروتين البيولوجي بكفاءة أكبر.
الطعام يجمع العائلات معًا
الطعام، في أفضل أدواره، يجمع العائلات معًا.. فالاستمتاع بروتين تناول وجبة معًا هو أحد أفضل الطرق لتحسين الصحة النفسية. كما يعزز العمل معًا على إعداد وجبة الروابط العائلية، ويصنع ذكريات لمغامرات مطبخيّة (يمكنكم دائمًا طلب طعام من الخارج إذا فشل الأمر في المطبخ)، ويتيح للجميع فرصة مشاركة ما يدور في أذهانهم حول مائدة العشاء.
يساعد الطعام على إشعارنا بالأمان من خلال تقليل استجابة «القتال أو الهروب أو التجمد»[4]. كما تساعدنا جلسة الطعام العائلية على أن نصبح أكثر انفتاحًا على الكشف عن صراعاتنا الداخلية للآخرين، ومناقشة صراعاتنا الباطنية، ومواجهة تحديات الحياة.. فيمكننا أن نتواصل بطرق تعيد تأسيس روابطنا، وتجدد إحساسنا بالانتماء، وتدحض الأفكار السلبية التي تقول إننا وحدنا وغير مفهومين. إن تناول وجبة معًا يتيح فرصة لكي نغيّر النظرة التي نرى بها المواقف، وأن نكتشف طرُقًا عمليّة للتعامل مع تحديات الحياة. كل هذه المهارات هي طرقٌ رائعةٌ لتحسين الصحة النفسية.
إنه شأن عائلي
اكتشاف كيفية تحسين الصحة النفسية هو شأنٌ عائلي. استمتع بالروتين اليوميّ عبر مواسم الحياة المتغيرة. احرص على الراحة. تلذّذ براحة التلامس في القرب الجسدي، واقضِ وقتًا في التأمّل وعبادة الإله الحقيقي الواحد. استجب لنداء الهواء الطلق، واقض وقتا هناك في اللعب وممارسة التمارين. تناول طعامًا جيدًا لتغذية جسدك، وارع ذهنك، وعش جيدًا.
[1] الأوكسيتوسين معروف باسم هرمون الحب أو الترابط؛ لأنه هرمون مسؤول عن زيادة الشعور بالترابط العاطفي؛ فهو يقوّي العلاقة بين الزوجين، ويساعد في بناء الثقة والارتباط بين الناس، ويزيد الإحساس بالأمان، كما يقلل التوتر والقلق، ويزيد من الشعور بالراحة والهدوء.
[2] الدوبامين هو ناقل عصبي (ويُعامل كهرمون في بعض السياقات) يعمل أساسًا في الدماغ، وخصوصًا في أنظمة المكافأة والتحفيز، فهو يزيد من الشعور بالرغبة والارتياح وتوقُّع المكافأة.
[3] هو شخصية خيالية من رواية Alice’s Adventures in Wonderland وهو واحد من الشخصيات الغريبة التي تقابلها “أليس” في عالم العجائب. واسمه مشتق من فكرة أن “صانعي القبعات” كانوا يتعرضون للتسمم بالزئبق أثناء عملهم، مما كان يُسبب لهم رعشة، وتقلُّبًا في المزاج، وهلاوس، واضطرابًا سلوكيًا. ولذلك ظهر التعبير الإنجليزي “mad as a hatter” .. مجنون مثل صانع القبعات. والكاتب أراد بإقتباسه للشخصية التدليل على أن التعرُّض الزائد للزئبق يؤثر في الحالة النفسيّة والمزاجيّة والصحيّة لنا.
[4] القتال أو الهروب أو التجمد هو أسلوب دفاعي يتشكّل تلقائيًا عندما يواجه الإنسان تهديدًا أو مشكلة، فإما يبدأ في قتال التهديد، أو يهرب منه، أو يتجمّد كنوع من أنواع الدفاعيات (على حسب التهديد).
© 2026 Dr. Patricia Landry. All rights reserved. Used with permission. Originally published at focusonthefamily.com.

