Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

مقدمة عايش الحياة

بعد خروج مارك، البالغ من العمر ١٥ عامًا، من المصحة النفسية بعد محاولة إنهاء حياته، بدأ في زيارة أحد المعالجين النفسيين. كان المعالج هو داني هويرتا، وهو أخصائي اجتماعي إكلينيكي معتمد، ويعمل الآن كنائب رئيس لقسم التربية والعائلة في مؤسسة Focus on the Family بالولايات المتحدة الأمريكية. لايزال يتذكر هويرتا هذا الصبي من تلك الجلسات التي مر عليها سنوات.

بعد عدة أسابيع من العلاج أخبر الفتى مارك هويرتا بشيء يحتاج كل مراهق ومراهقة في أزمة أن يسمعه:

قال مارك: "أنا سعيد جدًا الآن لأنني لم أقتل نفسي، لأني أرى أن الحياة تتغيّر بسرعة، وكان سيفوتني بعض الأشياء الجميلة. وأريد الأطفال الآخرين أن يعرفوا أن الحياة لا تبقى على حالها إلى الأبد، بمعنى أنها قد تمر بقفزات."

مارك يقول الصدق. عندما يمر الصغار بفترات إحباط، من السهل عليهم أن يفكروا بأن الحياة توقفت على هذه الحالة- لأن الإحباط سيستمر إلى الأبد. في هذه الحالة تقوم أذهانهم بفلترة الظروف بطريقة سلبية فقط. لكن الآن يدرك مارك أن أوقات "الإحباط" يمكن أن تقفز بسرعة جدًا وترتد إلى أوقات تكون فيها المعنويات مرتفعة. لم يكن مارك يريد فقط أن يعيش لهذه الأوقات المنتعشة، بل كان يريد أن يزدهر وينجح في الحياة أيضًا.

نريد نفس الشيء لكل طفل، خاصة الذين ربما يفكرون مثل مارك قبل محاولة انتحاره.

لهذا السبب قمنا بإعداد كتاب «عايش الحياة»، والهدف منه هو إعدادكم كآباء وأمهات، ومدرسين، وخدام، لتساعدوا أطفالكم على أن ينعموا بحياة سوية، ويكتسبوا مناعة نفسية للتجاوب مع ما يمرون به من أوقات صعبة.

في السنوات الماضية زادت معدلات الانتحار بين الأطفال والمراهقين. بحسب «مركز التحكم والوقاية من الأمراض» (CDCP)، بلغت معدلات الانتحار بين المراهقات أعلى معدل لها منذ أربعين عامًا. (1) كما تسجل مؤسسة Dana أن تسعة من كل عشر وفيات بالانتحار كانوا يعانون من مشكلة نفسية يمكن تشخيصها. (2) هذا أمر خطير، لأن خمسين مليونًا من الأطفال في أعمار ٣ إلى ١٧ سنة لديهم اضطراب عاطفي أو سلوكي أو نفسي، ومع ذلك ٣% فقط من هؤلاء الشباب (٣ مليون) يحصلون بالفعل على المساعدة. (3) الشخص الذي يُشخص بالاضطراب ثنائي القطب (bipolar disorder) ، أو الاكتئاب، أو اضطراب ما بعد الصدمة، أو الشيزوفرنيا، أو بعض اضطرابات الشخصية الأخرى، هو معرض أكثر بنسبة ٨ إلى ١٠% لاحتمالية الموت عن طريق الانتحار. (4)

نريد تقليص هذا الخطر. نريد لأطفالنا أن ينعموا بالحياة- ونريد لهم أن يزدهروا.

ما معنى أن تعيش الحياة؟ إذا ما بحثنا عن التعريف في الكتاب المقدس، سنجد معنى أن نعيش ونزدهر هو أن نحيا في المسيح، وننعم بالحياة المزدهرة والغنية فيه. يخبرنا يوحنا البشير أن يسوع قال لنا: «وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا ١٠: ١٠).

الحياة في المسيح تعني أيضًا أن الله معنا في أوجاعنا، وفي أحزاننا، وفي كل لحظات حياتنا اليومية. نحن نجد هذه الحياة من خلال علاقة مُشبعة بالثقة في الله. أما الازدهار في الحياة يعني أن تكون حرًا لتصير الشخص الذي أراد الله أن تكون عليه، بكل ما لك من نقاط قوة، ومواهب وعيوب، وتحديات ونقائص، وكل شيء.

لقد خلقنا الله لنكون في علاقة. هو يريدنا أن نختبر الفرح، والتواصل، والأمان، والسعادة، والرضا، والتمتع، والحب من خلال علاقات سوية. لكن كما نعرف جميعنا، العلاقات أيضًا لا تخلو من الوجع والشعور بالفراغ، والأسى، والخيانة، والجُرح، والمعاناة. نرجو أن يساعدك هذا الكتاب على إعداد أطفالك لهذه اللحظات المؤلمة في الحياة. نريد أن نجهزك لتفعل كل ما في وسعك لتربي أطفالاً لديهم مناعة نفسية، أطفالاً قادرين على إيجاد طريقة للرجوع مرة أخرى لأوقات المعنويات المرتفعة في الحياة، وإلى حياة غنية ومزدهرة في المسيح.

«عايش الحياة».. كتاب مختلف

لا يُعد كتاب «عايش الحياة» من نوعية المصادر التي تهدف إلى الوقاية من الانتحار والتي لا تقدم سوى إشارات تحذيرية، أو التي تساعدك على التعامل مع الآثار المترتبة بعد انتحار أحد المراهقين. لكن كتاب «عايش الحياة» يتبع نهجًا وقائيًا حقيقيًا. نحن نناقش موضوعات نعرف أنها قد تؤدي إلى الانتحار، ونحن نعلمك كيف تتعامل معها في وقت مبكر جدًا قبل أن يفكر طفلك في إنهاء حياته بوقت طويل.

لهذا السبب يبدأ الجزء الأول من الكتيب بتقديم أفضل دفاع ضد الانتحار: إعداد أبنائك للحياة السوية. إنّ بناء أساس جيد لأبنائك يتضمن التأكد من وجود تعلق آمن للأطفال بوالديهم، وممارسة الاعتناء بالذات، وتقديم التأديب المغلّف بالحب، وتقديم الدعم لطفلك.

الأجزاء الثاني والثالث والرابع يشرحون قضايا أساسية قد تضع طفلك أو ابنك المراهق على الطريق (ومن الصعب ملاحظتها في هذا الوقت) المؤدي إلى الأفكار الانتحارية ثم التنفيذ.

الجزء الخامس يصف قضايا سلوكية كبرى تمثل إشارات تحذيرية خطيرة عن ميول انتحارية محتملة. هذه السلوكيات يمكن أن تدفع المراهق نحو التفكير في إنهاء حياته.

في الجزء السادس يبدأ الجزء الأكبر من برامج الوقاية من الانتحار- وفيه سنناقش العلامات التي تدل على أن ابنك قد يفكّر في الانتحار، وماذا تفعل حين تشك أنه بالفعل يفكّر في الانتحار، أو كيف تتجاوب عندما يدخل الانتحار إلى عالمك، ويأخذ حياة أحد أبنائك أو أحد الأصدقاء والمعارف.

عندما تبدأ من حيث يبدأ كتاب «عايش الحياة»، ستتمكن من رصد العلامات "ما قبل التحذيرية"، وستعرف كيف تتخذ خطوات إجرائية قبل أن تتفاقم الأمور في خطورتها. عندما تبحر بسفينة، فإن عمل بعض التغيرات الطفيفة في بداية الانطلاق للبقاء على المسار سيوفر عليك عناء انحراف السفينة لمئات من الأميال أطول من اللازم. بنفس الطريقة، بينما تعالج المشكلات مبكرًا، يمكنك توجيه أبنائك بعيدًا عن التفكير في الانتحار قبل أن يجدوا أنفسهم بالقرب من مصير مدمر.

نظرة على مشكلات صعبة

هذا الكتاب يغوص في موضوعات شتى قد تشكّل صعوبة في التحدث عنها بالنسبة لبعض الآباء والأمهات. كوالدين، ستحتاجان إلى التأمل في طفولتكما الخاصة من وقت لآخر أيضًا. في كثير من المناقشات، تُستخدم كلمة "صدمة". وحتى نتأكد من أننا نتحدث بنفس اللغة، إليك تعريفًا عمليًا لهذه الكلمة.. كلمة الصدمة في اللغة الإنجليزية (trauma) تأتي من كلمة يونانية تعني "جُرحًا". الصدمة هي أي إصابة خطيرة للجسد أو الذهن. في كثير من الأحيان تكون نتيجة العنف أو حادث ما، وهو ما يسبب قدرًا كبيرًا من الضيق والوجع والألم والحزن بسبب الألم الجسدي أو النفسي الحاد. الصدمة تُخرج الذهن والجسد أيضًا من حالة التوازن؛ وتصيبنا بالخلل في انتظامية أدائنا. وعدم الانتظامية هذه قد تعطّل قدرة المخ على وضوح التفكير، ودقة الإدراك، واكتمال النضوج. وهناك طريقتان أساسيتان لتصنع جُرحًا أو تسبب ضيقًا أو تُلحق شخصًا آخر بصدمة، وهما إما أن تفعل شيئًا سيئًا بهذا الشخص (وهذا ما يُسمى بالإيذاء)، أو تفشل في عمل شيء جيد لهذا الشخص (وهو ما يُسمى بالإهمال).

إذا تعرض ذهنك وجسدك لظروف صعبة ولايزال يحافظان على توازنهما -أو يعيدان توازنهما سريعًا بعد التأثير- فأنت غير مُصاب بالصدمة. ربما تكون مجروحًا، لكنك غير مُصاب بالصدمة.. لديك ما نسميه بالمناعة النفسية. المناعة النفسية هي قدرة داخلية لتنظّم نفسك بحيث تستطيع الحفاظ على توازنك، أو تعود بسرعة لها بعد فقدان توازنك. إذا كانت لديك مناعة نفسية، فإن عقلك وجسدك يمكن أن يعودا إلى نظامهما الاعتيادي.

وبالتالي هل كل حدث مزعج يشكّل صدمة؟ هل ابنك سيُصاب بالصدمة إذا لم يحصل على ميدالية في نهاية دوري كرة القدم؟ لا، الصدمة لا تحدث إلا عندما يتعرض الذهن أو الجسد لتأثير سلبي كبير جدًا بحيث يعجز عن امتصاص الصدمة ويفقد ثباته الطبيعي.

كوالدين، بمقدورنا أن نسترخي: الأطفال لديهم مناعة نفسية قوية، أكثر من كبار كثيرين. وبالقليل من التدخل في الوقت المناسب، نستطيع أن نمنع معظم الأحداث المؤلمة والجارحة التي يواجهها أطفالنا من أن تتحول إلى حالة صدمة. كلمة السر تتلخص في رصد المشكلة بسرعة كافية، وتقديم نصائح حكيمة للمساعدة والتعزية.

لا يوجد والدان كاملان

التربية صعبة لكنها تأتي بتعويضات هائلة، ومؤلمة لكنها مبهجة. هي حزمة كاملة من العواطف والخبرات والتحديات كلها ممتزجة معًا. هي مهمة صعبة، لذا دعنا نتوقف برهة ونوضح حقيقة هامة: ليس عليكما أن تكونا والدين كاملين- بل صالحين بما يكفي.

لم يمر وقت على مدار التاريخ مثل الآن تُوضع فيه ضغوط جبارة علينا لنكونا الأم السوبر والأب السوبر، القادرين على القفز على المباني المرتفعة لتربية الأبناء في قفزة واحدة، وعلى توفير أفضل دعم عاطفي وروحي وجسدي وعقلي لأبنائنا من الرضاعة وحتى الشباب.

اسمعوا هذا وانتبهوا جيدًا: ليس عليك أن تكون الأب السوبر، وليس عليكِ أن تكوني الأم السوبر. ليس عليك أن تكون الشخص المثالي، ليس عليك أن تفعل كل شيء. فقبل أن توجد الكتب والحلقات التعليمية على اليوتيوب عن التربية "الصحية" (أيًا كان المحتوى)، كان الآباء والأمهات يتمتعون بالكفاءة لتربية أبنائهم جيلاً بعد الآخر. المعلومات شيء رائع بالتأكيد، لكن الضغوط من نفسك أو من الآخرين ليست شيئًا مفيدًا.

هذا الكتاب لا يريد أن يوصل لك رسالة بأنه لابد أن تفعل المزيد، أو لابد أن تفعل كل شيء على النحو الصحيح، وطوال الوقت، بل رسالة هذا الكتاب هي: استفد بأقصى ما تستطيع منه. من فضلك ضع هذا في اعتبارك بينما تقرأ. دوّن ملاحظات إذا أردت، وناقش الأفكار التي نقدمها، ثم خُذ ما تستطيع أن تستفيد منه وتطبقه.. هذا كل ما في الأمور.

ما نأمله لك

رجاؤنا ورغبتنا أن يساعدك كتاب «عايش الحياة» أن تغلق الباب أمام أي مشكلات خطيرة قد تُدخل أبناءك في مناطق خطرة. نريدك أن تتسلح بكل شيء تحتاجه لتساعد أطفالك على أن ينعموا بالحياة التي أعدها الله لهم بدلاً من البحث عن المخرج السهل من الحياة.

ساهم في محتوى هذا الكتاب ١٨ من المشيرين المسيحيين المعتمدين وذوي الخبرات العالية. لن تجد معلومات فقط لتتعلم منها المزيد عن الموضوعات التي تساهم في المشكلة المدمرة للانتحار، لكنك ستتعلم أيضًا بعض الطرق العملية للبدء في حوارات عميقة مع أبنائك. ليت الله يقويك ويرشدك بينما تساعد أبناءك على أن يختاروا أن يعيشوا ويزدهروا.

 


    1. “Quick Stats: Suicide Rates for Teens Aged 15-19 Years, by Sex –United States, 1975-2015,” Centers for Disease Control and Prevention Morbidity and Mortality Weekly Report, August 4, 2017, https://www.cdc.gov/mmwr/volumes/66/wr/mm6630a6.htm.
    2. Carl Sherman, “Seeking the Mental Roads that Lead to Suicide,” The Dana Foundation, January 30, 2018, http://dana.org/News/Seeking_the_Mental_Roads_that_Lead _to_Suicide/.
    3. “Quick Stats: Suicide Rates for Teens.”
    4. “Seeking the Mental Roads that Lead to Suicide.”

 

© 2020 Focus on the Family. All rights reserved. Used under license.