اتصل بنا AskFocus Arabic كتب ومصادر برامج

تليفونيًا، أو بالإيميل،

أو زيارتنا

لما يكون عندك مشكلة

تتعلق بأسرتك

باللغتين العربية والإنجليزية

لكل أفراد العائلة

للزواج، والتربية، والمراهقة،

والرؤية الكونية

       

    

بقلم: سامي يعقوب

للمزيد من هذه السلسلة: 

أبي هل لديك وقت لي؟ ١              أبي هل لديك وقت لي؟ ٢               أبي هل لديك وقت لي؟ ٣

أبي هل لديك وقت لي؟ ٤              أبي هل لديك وقت لي؟ ٥


 "ولادة ابنتي أنارت ظلمة قلبي بشكل لم أكن أتوقعه.. فقد أعطتني هذه الصغيرة سببًا وجيهًا للحياة، ودافعًا متجددًا للكفاح والعمل طوال اليوم، وكل يوم. لا أستطيع أن أُوفي الله حقه من الشكر والتقدير لأجل عطيته هذه!" كلمات أنقلها بالنص من رسالة لأب تبدلت توجهات حياته بولادة ابنة له، لعلها تكون مصدر إلهام يُحرك قلب كل أب غائب عن التواصل الفعال مع عطية الله له من الصبايا! 

 

في إيجاز بديع، استخدم داود النبي والملك في مزمور ١٤٤ تشبيهات مُوحية عندما سجل قائمة بالبركات التي تغمر «الشعب الذي الرب إلهه» (عدد ١٥). وفي حديثه عن بركة الأبناء قال عن الصبيان إنهم «مثل الغروس النامية في شبابهم»، وعن الصبايا إنهن «كأعمدة منحوتة في زوايا الهيكل» (عدد ١٢). لعل المعنى واضح في تشبيهه الصبيان بالنباتات المروية،  والتي تُغرس عادة خارج البيت.. فما المتوقع من الابن عندما يكبر سوى أن يعمل باجتهاد ليأتي بالثمر والخير لأسرته.

 

أما تشبيهه لبناتنا «بأعمدة الزوايا» فيعكس انبهار داود بالتشكيل الفني الرائع للأعمدة التي كانت تُزين بهو قصره وتزيده جمالاًـ بالمناسبة لم يكن الهيكل قد بُني بعد عند كتابة هذا المزمور.

القراءة السريعة للنص قد تُثير التساؤل: لماذا لم يُشبه داود الصبيان بالأعمدة التي تحمل ثقل سقف القصر بينما هم أقدر من الصبايا على حمل الأثقال؟! لسنا بحاجة أن نذهب بعيدًا للإجابة، فماذا عن أمك وأمي؟ عن زوجتك وزوجتي؟ ماذا عن كل أم تحمل كعمود ثقل مسؤولية رعاية أسرتها، بينما يكافح الأب بالعمل من أجل أن يسدد احتياجات بيته؟! على أية حال، النص في اللغة العبرية لا يُشبه الابنة بأي عمود كان؛ بل هي «عمود الزاوية» الذي يبدأ منه تكوين البناء، والذي يربط أركانه معًا! فكيف كان لجنسنا البشري أن يأتي إلى الوجود ما لم يخلق الله الصبية الأولى «حواء»؟! ويقول بعض المفسرين إن المعنى هنا يتخطى مجرد بدء تكوين الأسرة بولادة الابنة؛ لأنه بزواجها عندما تكبر تربط بالنسب بين عائلتين، وربما أكثر!

الابنة عطية تساوي في قيمتها بركة الابن، وإن اختلفت في طبيعتها.. «لا تضلوا، يا إخوتي الأحباء، فكل عطية صالحة، وكل هبة كاملة تنزل من فوق، من عند أبي الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران» (رسالة يعقوب ١: ١٦ و١٧).. هنيئًا لكل أب يقبل بفرح عطية «البنيّة» كهبة إلهية، ويتمتع بأن يعطيها من حياته بلا حدود كل يوم حتى تكبر وتصير مثل «عمود زاوية» نحته صانع ماهر يُزين بهو كل مجتمع توجد فيه. هذا حُلم جميل، لكنه لا يتحقق بالتمني، ولا بنوعية الحب الذي يوفره «وكيل وزارة التموين»، أو يمارسه «الشاويش عطية»! «البنيّة» لا تزدهر حياتها سوى بعلاقة معك مملوءة بالحيوية.. علاقة تفيض بالحب غير المشروط، والقبول النابع من لا شيء سوى أنها ابنتك!

 

قد يميل بعض الآباء للانسحاب من علاقة نشطة مع بناتهن عندما يدخلن مرحلة المراهقة، مع أن هذه الفترة من أكثر الأوقات التي تحتاج الفتاة فيها لأب قريب منها.. فأبوته تؤكد لها ثقتها بنفسها، وتساعدها على قبول هُويتها «كمشروع» امرأة تتشكل بفعل تدفق الهرمونات في جسمها. عندما يتجنب الأب الحوار مع ابنته حول الأمور التي يشعر بعدم الراحة أو حرج الحديث عنها، سيكون البديل أن تبحث هي عما تحتاجه من دعم أبوي في المجتمع الخارجي. لا أحد مثل «بابا» يمكن أن يعلم الابنة كيف ومتى تقول بثبات أقوى كلمة من حرفين: «لا» في مواجهة أي إغراء للانخراط في سلوك يمثل خطرًا على تقدم حياتها الآن، ويهدد سعادتها في المستقبل.

كل وقت تقضيه مع ابنتك تستمع فيه إلى أفكارها، وتتعرف على ميولها ومواهبها، يؤكد لها بدون حاجة لشرح أو إقناع أنها إنسانة جديرة بالحب والاحترام.. عندما تشاركها بخبرات حياتك، وتشترك معها في بعض من أنشطتها هذا يطور بشكل تلقائي من صفات شخصيتها الأعمق؛ فتستمد ابنتك تقديرها لنفسها من قيمة ما بداخلها، بغض النظر عن مظهرها الخارجي، أو ما تحققه من إنجاز.. وهذا أثمن ما يبقى معها لبقية عمرها.

 

الكيفية التي تتعامل بها الابنة مع الصبيان في حداثتها، ومع الرجال عمومًا عندما تخرج للمجتمع، وكذلك إعجابها أو رفضها لمن يمكن أن تختاره ليكون شريك حياتها، له علاقة مباشرة بطبيعة علاقتك معها.. نموذج الرجل الذي تراه فيك، وأسلوب تعاملك مع أمها في الحياة اليومية، يحددان قدرتها على التمييز بين الغث والثمين. الابنة التي تعتاد رؤية أبيها يُهين أمها، إذا أساء إليها خطيبها بالقول، أو حتى إذا تجرأ وتعدى عليها بالضرب، لن ترى في ذلك ما يستدعي أن تمتنع عن إكمال علاقتها معه ليكون زوجًا لها! فما تتوقعه الفتاة من حب واحترام من الشخص الذي ترتبط به كشريك حياة لا يختلف كثيرًا عما تراه مجسدًا في شخص أبيها! أعرف أن هذا الكلام قد يكون صعبًا على البعض، لكن لابد من أن يُقال في هذا المقام!

 

"بابا" هو آخر رجل في العالم يمكن أن يجرح مشاعر ابنته.. وإذا حدث مرة بقصد أو بدون قصد، فهو أول مَنْ يعرف، قبل أن تغرب الشمس، كيف يعتذر لها، ويمسح دمعتها، ويُطيب خاطرها.. بهذا السلوك فقط يؤكد الأب للصبية أن هناك نوعًا من الرجال يختلف عن كل الذين تراهم في مسلسلات التليفزيون، وأفلام السينما، أو أولئك الذين تحتك بهم في مجتمع "التحرش!"

تعوزني المساحة لأكمل حديثي عن قوة تأثير الآباء على شخصيات ومستقبل بناتهم.. عن احتياج الصبية لمن يدعمها أثناء سنوات الدراسة، ومَنْ يرشدها عند صنع اختيارات المستقبل. أتوقف عن الحديث هنا، وأدعو كل مَنْ يريد أن يكمل هذا الحوار أن يتواصل معي عبر البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ١٨ أغسطس/ آب ٢٠١٣) 

Copyright © 2013 Focus on the Family Middle East. All rights reserved