اتصل بنا AskFocus Arabic كتب ومصادر برامج

تليفونيًا، أو بالإيميل،

أو زيارتنا

لما يكون عندك مشكلة

تتعلق بأسرتك

باللغتين العربية والإنجليزية

لكل أفراد العائلة

للزواج، والتربية، والمراهقة،

والرؤية الكونية

       

    

بقلم: عادل زكري

مشاعر أب في بداية العام الدراسي

مررتُ منذ أيام للمرة الثانية بتجربة عاطفية مع ابنتي سارة ذات الأربع سنوات. تخيلتُ أنني نسيت هذه الخبرة. كنتُ قد رافقتها في أول أيام الحضانة أو الروضة, وهناك رأيت بعيني وقلبي قلقها وخوفها وفزعها عندما أوشكتُ على تركها لأول مرة مع أناس غرباء بالنسبة لها- مهما بدت عليهم من مشاعر الترحيب. نفس الشيء اختبرته مع ابني الأكبر يوسف، ولكن كان الأمر أقل حدة- حسبما أتذكر.

شعرت بأن ما يختلج في نفس هذه الفتاة الصغيرة يتردد صداه في داخلي. قلتُ في نفسي: أنا الأب.. أنا الأكبر. لابد أن أظل متماسكًا.. لأجلها فقط. أعرف أنها مرحلة انتقالية من عمرها. ولابد أن تجتازها.. بل تنجح في اجتيازها. حتى أستطيع أن أقول أنها كبرت الآن. كعادتي لم تمنعني هذه الأفكار المنطقية جدًا من الانزلاق نحو الاهتزاز والبكاء والأشياء المصاحبة لذلك.

 

نسيتُ أن أخبركم أن الأمر تكرر منذ أيام مع أول أيامها في المدرسة. ظننتُ أن الأمر سيكون أكثر سهولة من المرة الأولى. لا، بل كان الأمر أكثر تعبيرًا. لم تكبر هي، ولم أكبر أنا. أو ربما لا يجب أن أفكر هكذا. هذه التجربة أحب أن أسميها "وجع البِعاد" وهي ترجمة متحررة في التعبير عن مصطلح آخر هو "قلق الانفصال".

حاولتُ تجنُّب الأمر هذه المرة لتتولى أمها هذه المهمة. لكني شعرت في لحظة بواجبي كأب. فاندفعت لأقوم بدوري، وهناك أمام غرفة الدراسة ذابت كل قواي. حاولت أن أكفكف دموعي بقدر الإمكان.. فالناس والأطفال وأولياء الأمور- الذين كنت أحسدهم على تماسكهم- حولي في كل مكان. وأدركت وقتها أنني مصاب بهذا القلق أو الوجع أكثر من ابنتي الصغيرة ذات الأربع سنوات. يبدو أنني لم أكبر على هذه التجربة. جميعنا نخاف في لحظات أن نُترك بمفردنا. أو نفترق عن أحد أحبائنا- ولو إلى حين؛ لأننا نتذكر وقتها الفراق الكبير: أي زواجها من شخص آخر، والفراق الأكبر: الموت.

هذا ما اكتشفته عندما جلست لأفتش في تعاريج نفسي. وعندما قرأت عن هذا الأمر عرفت أن هذا أمر طبيعي يحدث لدى البعض عندما يغيرون مكان سكنهم، أو يرتحلون عن بلادهم التي تربوا فيها، أو حتى يودعون الحيوان الأليف الذي تعودوا عليه. هذا يحدث للصغار والكبار أيضًا. وبالرغم أنها مشكلة شائعة ومتكررة، إلا أننا نحسها بكل حرارة مشاعرها وعنفوان انفعالاتها.

 

بعد نزاع أقنعتها بأنني سأقف على الباب بجوارها. كنتُ أعرف أنني أكذب، وأنني سأخدعها وسأذهب، أو سأهرب. (لا أنصح أحد بهذا.. لأن هذا من شأنه أن يزعزع الثقة بينك وبين طفلك). ولكن هذا ما حدث بالفعل. أرجو أن يسامحني الله على هذا وعلى كل الأخطاء الأخرى. هرعتُ إلى سيارتي محاولاً إيقاف انهمار الدموع على وجهي، ولكن دون جدوى. والسؤال الذي كان يتردد في رأسي: لماذا يحدث هذا؟

بعد العودة من العمل فاجأتني زوجتي بأن سارة بشهادة المدرسين أفضل اليوم، ولم تبكِ كثيرًا كبقية الأيام السابقة. يبدو أنها بدأت تتقبل الأمر. اندهشت لهذا التحول السريع. عرفت من آخرين أن هذا يحدث بشكل متكرر. وأن الأطفال عندما يبكي أحدهم يجعل الآخرين يبكون، كذلك عندما يلعب أحدهم ويحاول أن يقضي وقته، يقلده الآخرون أيضًا. وبمرور الوقت تصبح غرفة الدراسة مألوفة بالنسبة لهم، بل ومحببة لديهم أيضًا، ويصبح المدرسون والعاملون في المدرسة مألوفين بالنسبة للطفل أيضًا. المهم هو مساندة الطفل في هذه المرحلة، وتشجيعه، والتقليل من انتهاره على هذه المشاعر. ولا تنسوا أن تجعلوا وقت الوداع قصيرًا بقدر الإمكان.

تنتهي هذه المرحلة لتبدأ مرحلة أخرى من النمو والنضوج. هذه هي الحياة.. لكي نكبر وننتقل إلى مرحلة تالية في الحياة، لابد أن نتألم. بداخلنا طفل يريد أن يبقى كما هو.. وفي نفس الوقت نريد أن نكبر لنستمتع بأشياء أخرى في الحياة. البقاء على حالنا طويلاً يصبح مميتًا ومعرقلاً لنا في طريق النمو والنضوج. لابد أن تخرج الفراشة من شرنقتها مهما أَلفت ظلمتها وقتامتها؛ لكي ترى النور.

أدركتُ من هذه التجربة أنني أيضًا أحتاج إلى النمو تمامًا مثل ابنتي. تذكرت السؤال الشائع: مَن يربي مَن؟ كذلك أدركت أنه ما من شيء يستطيع أن يطمئن قلب الوالدين ويطيب خاطرهم أكثر من الاعتماد على نعمة الله، والثقة الكاملة في أنه ضابط الكل وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته. هذه الخبرات تدفعنا لأن نلقي حياتنا وحياة أبنائنا بالتمام على الله. فنحن كوالدين مهما اجتهدنا في توفير وسائل الأمان والطمأنينة لأبنائنا وتجنيبهم الألم، لابد أن نتذكر أن حياتنا ليست من أنفسنا. الله وحده القادر أن يملأهم بالطمأنينة والقوة في مواجهة الحياة والتقدم فيها بإقدام وشجاعة.

يارب، أيها الإله العظيم القادر على كل شيء. استودع أبنائي لحمايتك. اجعلني أداة في يدك طيعةً لأخدمهم كما تريد أنت. إن مقاصدك لحياتهم أعظم وأكبر من أحلامي لهم. سيّج حولهم بحضورك، فيشعرون بالاكتفاء والرعاية من يديك الحانيتين. آمين.  


Copyright © 2015 Focus on the  Family Middle East. All rights reserved.