اتصل بنا AskFocus Arabic كتب ومصادر برامج

تليفونيًا، أو بالإيميل،

أو زيارتنا

لما يكون عندك مشكلة

تتعلق بأسرتك

باللغتين العربية والإنجليزية

لكل أفراد العائلة

للزواج، والتربية، والمراهقة،

والرؤية الكونية

       

    

 

بقلم: سامي يعقوب

حاولت جاهدًا خلال الأيام القليلة الماضية أن أجد في كلمة الله ما أبدأ منه حديثي مع جيراني والعاملين معي من الأصدقاء المسلمين، وقد أردت أن أخفف عنهم بعضًا من الآلام التي أصابتهم جراء العمل القبيح الذي جرح مشاعرهم بتعرضه لمقدساتهم الدينية. وقد وجدت في رسالة يوحنا الأولى الأصحاح الرابع ما استطعت أن أستخدمه في حواري معهم لأشرح وجهة النظر المسيحية فيما حدث، ونُسب إلى بعض الأقباط الموتورين، والذين يحركهم مَن يريدون خراب بلادنا: «إن قال أحد إني أحب الله وأبغض أخاه، فهو مَنْ لا يُحب أخاه الذي يُبصره (كاذب؛ لأن أو يعيش معه) كيف يقدر أن يُحب الله الذي لم يُبصره؟ ولنا هذه الوصية منه (المسيح): أن مَنْ يُحب الله يُحب أخاه أيضًا." (العددان٢٠ و٢١).

 قد يعتقد البعض -تأمليًا أو حرفيًا أن «الأخ» المقصود في الوصية بأن نحبه هو مَنْ يشترك معنا في الإيمان؛ لكن اللغة الأصلية للنص تأخذ الموصوف بالأخ هنا من معناه الضيق ليتسع فيشمل البشر جميعًا بلا استثناء. والدليل على ذلك أن الرسول يوحنا ارتفع بمقياس ممارسة هذه المحبة من محلية الدائرة الضيقة للأهل والأصدقاء إلى عدم محدودية الله في محبته للبشر.. فوضعنا أمام اختبار صعب، وتحدٍ إيماني رائع بتصريحه: كل مَنْ يقول إنه يعرف الله ويُحبه، أويدعي أن له شركة معه، عليه أن يثبت ادعاءاته هذه بأن يُحب إخوته بلا تمييز بسبب الجنس أو الدين أو الوضع الاجتماعي... إلخ.

 ولعلكم تتساءلون معي في حيرة وأسى: "تُرى هل قصد مَنْ كانوا وراء إنتاج ذلك الفيلم الوضيع، أيًا كانت ملتهم، أن يعلنوا به لأخوة الوطن، وشركاء الحياة الذين تأذت مشاعرهم، عن محبة لله؟! وكيف لمؤمن حقيقي بيسوع المسيح أن يقبل هذا المنطق الشرير؟" الأكثر من ذلك.. هل ترون أن الاستهزاء، والسخرية، وتحقير الآخر هي الوسائل التي يمكن أن نتبعها لنعبّر عن رفضنا لطغيان هذا الآخر، ودهشتنا لاستباحة المتشددين والجهلاء منهم لكنائسنا، وحزننا لإهدارهم لحرمة حياتنا وممتلكاتنا، وتشكيكهم في صدق مواطنتنا كأقباط مصريين؟ هذا ما لا أستطيع أن أقبله، أو أصدق أن هناك مسيحيًا عاقلاً، شرقيًا كان أو غربيًا، يرضى به.. الأمر ببساطة أن خريطة الطريق التي رسمها المسيح لأتباعه ليسلكوا طبقًا لها عندما يواجهون ضيقًا في هذا العالم مبنية على صخرة: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم!» أليس هذا، كان ولايزال، ما يُبهر الآخر في الإيمان المسيحي؟ ألا ترون أن هذا ما يجعل نور حياتنا يُضيء أمام الآخرين فيمجدون الآب السماوي الذي نعبده؟ لعل هذا يعطيني الجرأة لأسأل أولئك الغرباء عنا، والمفترين على أقباط مصر بادعاء انتمائهم إلينا: "من أي روح أنتم؟"

 وحتى لا نبتعد عن قرينة التساؤل الذي طرحه الرسول يوحنا في رسالته، إشارة إلى مَنْ يدّعون بأنهم يحبون الله لكنهم يبغضون إخوتهم، لنرجع إلى الفصل الكتابي ونأخذه في مجمله.. فالرسول يدعونا في بدايته أن نمتحن الأرواح لنعرف هل هي من الله أم من العالم، ثم يكمل حديثه إلينا ليخبرنا عن تأثير المحبة في الأعداد التالية.

الذي له روح العالم يتكلم بكلام العالم، وروح العالم هي من إبليس، وإبليس هذا لا يُحب أبدًا، بل هو قتّال وخبيث، يسعى للفتنة، ويتلصص ليُوقع بالكراهية بين البشر. ففي النهاية يُريد إبليس أن تسود روح الضلال في العالم، فيبتعد الناس عن عبادة الله (الأعداد من ٤ إلى ٦).

أما الروح التي من الله فهي التي تعترف أن يسوع المسيح  هو ابن الله الذي قد جاء في الجسد.. ومَنْ يعترف بهذا الحق لا يستطيع إلا أن يُحب. وهنا يؤكد الرسول أن مَنْ لا يُحب لا يعرف الله؛ لأن الله محبة (العددان ٧ و٨).

لازلت أذكر ما تعلمته في كنيستي منذ سنين، عندما حدّثنا الراعي عن تجديد «روح المسيح» للروح التي كانت تسود العالم قبل تجسده، ومجيئه إلى أرضنا. فالرب يسوع، مكملاً للناموس، أخذ الوصية القديمة من حرفيتها إلى أبعاد عملية جديدة وسامية للحياة التي أراد لكل مَنْ يؤمن به عبر العصور أن يعيشها، فعلّمنا: «سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومَنْ قتل يكون مستوجب الحكم، وأما أنا فأقول لكم مَنْ قال لأخيه رقا (أي استهزأ به) يكون مستوجب المجمع (الحكم عليه)، ومن قال: 'يا أحمق' يكون مستوجب نار جهنم!" (متى ٥: ٢١ و٢٢). والمقارنة هنا بين قتل الجسد خارجيًا، والقتل المعنوي للنفس داخليًا.. وبالرغم من قسوة القتل الجسدي، إلا أن الإنسان يستريح من آلامه بعده. أما قتل النفس فهو أشد قسوة؛ لأن معه يعيش الإنسان متألمًا بما أصابه من جرح معنوي.. تمامًا كمَنْ يُصاب بطعنة عميقة لا تُميته لكنها تستمر تؤلمه لبقية أيام حياته!

ومما لا شك فيه أننا كأقباط نحزن ونتألم عندما يقتل مسلم أخاه المسيحي؛ فهذا روح العالم.. لكن هل يعني ذلك أن نتخلى في ثورة غضبنا عن «روح المسيح»، فنقتل أخوتنا المسلمين معنويًا، ثم نطلب أن نعيش بينهم في سلام، بينما يشعرون هم بجرح غائر في نفوسهم؟! لست بحاجة أن أؤكد لمسيحيي بلادي ومسلميها أن أتباع يسوع المسيح لا يقبلون رد فعل مثل هذا بأي حال من الأحوال.

 

يا إخوتي.. لنستمع مجددًا لنصيحة الرسول يوحنا بوجهيها: امتحنوا الأرواح أولاً، ولنرفض بثبات أفعال كل مَنْ هو ليس منا، وإن ادعى ذلك.. ثم لنُحب، ونُحب، ونُحب الآخر؛ لأننا بهذا نعرف أننا نثبت في إلهنا وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه (١يوحنا ٤: ١٣).

"المحبة قوية كالموت... مياه كثيرة لا تستطيع أن تُطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها. إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تُحتقر احتقارًا." (نشيد الأنشاد ٨: ٦ و٧).


(نُشر بجريدة وطني بتاريخ ١٦ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٢)

Copyright © 2012 Focus on the Family Middle East. All rights reserved  .